ترجمات

لوموند: حفنة من المستوطنين «تهين» الجيش الإسرائيلي.. وهاكابي يصف ما يجري بـ«الإرهاب اليهودي»

كشف تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، الجمعة، عن واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، بعدما فشل الجيش الإسرائيلي على مدار أيام في إجلاء مجموعة صغيرة من المستوطنين المتطرفين الذين فرضوا حصارًا على منازل فلسطينية في بلدة قُصرة بالضفة الغربية المحتلة، قبل أن تتجه القوات الإسرائيلية إلى محاولة إخلاء الفلسطينيين أنفسهم من منازلهم.

وقالت الصحيفة إن الواقعة بدت وكأنها «إهانة» للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعدما تحدت مجموعة من المستوطنين، المنتمين إلى ما يُعرف بـ«شباب التلال»، أوامر الجيش، في وقت وصف فيه السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف بمواقفه المؤيدة للاستيطان، تحرك المستوطنين بأنه عمل من «الإرهاب اليهودي».

وبحسب تقرير «لوموند»، الذي أعده مراسلها لويس إمبر من بلدة جالود في الضفة الغربية المحتلة، بدأت الأزمة عندما نصب مستوطنون خيمة أسفل عدد من المنازل الفلسطينية المعزولة على أحد التلال في منطقة قُصرة، وقطعوا المياه والكهرباء والطريق المؤدي إليها، في محاولة للضغط على أصحابها وإجبارهم على الرحيل والاستيلاء على أراضيهم.

ومنذ الأربعاء 12 أغسطس، دخل جنود إسرائيليون المنازل الفلسطينية وخرجوا منها مرارًا، وطالبوا أصحابها بمغادرتها، بدعوى أن إخلاء الفلسطينيين يستهدف «حمايتهم» من المستوطنين.

لكن أصحاب المنازل رفضوا المغادرة، معتبرين أن خروجهم قد يعني عدم السماح لهم بالعودة إليها مجددًا، خصوصًا في ظل وقائع سابقة انتهت بسيطرة مستوطنين على منازل وأراض فلسطينية بعد إجبار أصحابها على الرحيل.

الجيش يفشل في إجلاء المستوطنين

وأوضحت الصحيفة أن الجيش حاول في البداية إجلاء المستوطنين المتطرفين، إلا أن العملية فشلت بعدما قاوم «شباب التلال» القوات الإسرائيلية.

وأطلق الجنود قنابل صوتية خلال المواجهة، لكنهم تراجعوا في نهاية الأمر، تاركين عددًا من الحراس إلى جانب المستوطنين، فيما منع هؤلاء الصحفيين من الوصول إلى المنطقة.

وأمام الفشل، اضطر الجيش الإسرائيلي إلى إرسال لواء إضافي، كما وصل كبار القادة العسكريين المسؤولين عن الضفة الغربية إلى الموقع، وعلى رأسهم قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الجنرال آفي بلوث، الذي دخل في مفاوضات مع المستوطنين.

وأشارت «لوموند» إلى أن المشهد أثار حرجًا داخل إسرائيل، بعدما بدا الجيش عاجزًا أمام حفنة من المستوطنين، رغم قدرته العسكرية الكبيرة وانتشاره الواسع في الضفة الغربية.

هاكابي: «إرهاب يهودي»

وتصاعدت حساسية القضية بعدما تدخل السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي يُعد من أبرز الداعمين الأميركيين للاستيطان الإسرائيلي، وندد بالتحرك الذي نفذه المستوطنون، واصفًا إياه بأنه «إرهاب يهودي».

ويمثل موقف هاكابي تطورًا لافتًا بالنظر إلى تأييده المعروف للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وهو ما زاد من المخاوف داخل الدوائر الإسرائيلية من أن تؤدي مثل هذه الاعتداءات إلى إثارة ضغوط أميركية في وقت تسعى فيه الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ خطط استيطانية أوسع في الضفة الغربية.

الجيش يقرر إخلاء الفلسطينيين

وبعد فشل القوات في إبعاد المستوطنين، قالت «لوموند» إن الجيش اتجه، الخميس، إلى حل مختلف تمثل في محاولة إخراج الفلسطينيين من المنطقة.

وأعلن الجيش عملية عسكرية تستمر خمسة أيام، رغم أن المنطقة تقع، وفق ترتيبات اتفاقيات أوسلو، ضمن نطاق السلطة الأمنية للشرطة الفلسطينية، ودخل الجنود المنازل والقرية.

وقال عبد السلام حسن، أحد أصحاب المنازل، إنه لا يفهم لماذا يحتاج الجيش إلى تنفيذ عملية تستمر أيامًا داخل القرية من أجل إبعاد عدد محدود من المستوطنين يمكن، بحسب قوله، إخراجهم خلال ساعة واحدة.

ورفض اثنان من أبنائه مغادرة منزلهما، وهو موقف أبدى الأب اعتزازه به، موضحًا أن خروجهما كان يمكن أن يؤدي إلى منعهما من العودة نهائيًا.

قطع كاميرات المراقبة

ووفق التقرير، أقدم جنود إسرائيليون على قطع كاميرات المراقبة التي كانت العائلات الفلسطينية تستخدمها لتوثيق ما يحدث وإرسال الصور والتسجيلات إلى وسائل الإعلام.

وكانت التسجيلات قد انتشرت على نطاق واسع ووصلت إلى وسائل إعلام دولية.

كما أُعلن عن اتخاذ إجراءات ضد جنود إسرائيليين ظهروا في مقاطع مصورة وهم يؤدون الصلاة إلى جانب المستوطنين الذين يفترض بالجيش إبعادهم عن الفلسطينيين.

وقالت الصحيفة إن القوات الإسرائيلية وفرت للمستوطنين الحماية منذ بداية الأزمة، وهو ما ضاعف الانتقادات الموجهة للجيش.

جدل في إسرائيل حول «عجز» الجيش

وأشارت «لوموند» إلى أن القضية حظيت باهتمام استثنائي داخل إسرائيل، ليس بالضرورة بسبب الحصار المفروض على العائلات الفلسطينية، وإنما بسبب الصورة التي ظهر بها الجيش أمام المستوطنين.

ووصف الإعلام الإسرائيلي ما حدث بأنه يكشف عن «عجز» المؤسسة العسكرية وتداخلها المتزايد مع حركة المستوطنين.

كما أسهم وجود أقارب للعائلات الفلسطينية المحاصرة في الولايات المتحدة في اتساع نطاق الاهتمام بالقضية، بعدما استضافت شبكة CNN أفرادًا منها.

وتأتي التطورات في وقت يزداد فيه اهتمام واشنطن بالملف الفلسطيني، وسط تحركات سياسية أميركية متصلة بالمنطقة.

عائلة فلسطينية أخرى فقدت منزلها

ولفت تقرير «لوموند» إلى أن ما حدث في قُصرة ليس حالة منفردة.

ففي 22 يوليو الماضي، تعرضت عائلة الطوباسي، التي كانت تقيم على بعد نحو كيلومترين فقط، لسيناريو مشابه، لكن قصتها لم تحظ بالاهتمام نفسه.

وكانت العائلة تعيش وسط بساتينها في منطقة معزولة قرب قرية جالود، قبل أن ينصب المستوطنون خيمة أسفل نوافذ منزلها في أبريل.

وبدأت بعد ذلك سلسلة من الاعتداءات شملت إحداث ثقب في أحد الجدران، وإحراق سيارة، وتخريب أجزاء من الأراضي، وإغلاق الطريق بالحجارة لمنع أفراد الأسرة من الدخول والخروج.

ولجأت عائلة الطوباسي إلى الجيش الإسرائيلي طلبًا للحماية.

وقال رب الأسرة محمود الطوباسي، البالغ من العمر 60 عامًا، إن ضابطًا إسرائيليًا اصطحب الأسرة في إحدى المرات إلى متجر قريب لشراء وتخزين احتياجاتها الغذائية، لكنه أبلغهم بأنه قام بذلك بمبادرة شخصية، وأنه لن يستطيع تكراره.

قطع المياه والكهرباء وإجبارهم على الرحيل

وفي 16 يوليو، قطع المستوطنون المياه والكهرباء عن منزل العائلة.

وبعد ستة أيام من الحصار، اضطرت الأسرة إلى الاستسلام والمغادرة.

وأمهل المستوطنون أفرادها ساعة واحدة لجمع ممتلكاتهم، ثم رافقوهم حتى قُصرة وأمروهم بألا يعودوا إلى منزلهم مرة أخرى.

وبعد السيطرة على المكان، رفع المستوطنون أعلامًا على أسطح المباني وأقاموا مأدبة كبيرة، قالت الصحيفة إن جنودًا إسرائيليين حضروها.

ولجأ محمود الطوباسي إلى محامٍ في القدس لاستعادة منزله، لكنه قال إن المحامي نصحه بالانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر قبل التوجه إلى المحكمة العسكرية، معتبرًا أن فرص الأسرة في ظل الحكومة الحالية المؤيدة للمستوطنين شبه معدومة.

ومع ذلك، قال الطوباسي إنه لا يعتقد أن تغيير الحكومة سيؤدي بالضرورة إلى تغيير الوضع.

«قرانا أصبحت جزرًا منفصلة»

وفي جالود، عرض رئيس البلدية رائد الحاج محمد خرائط توضح التوسع المتواصل للمستوطنات الإسرائيلية على مدار عقود، والتسارع الكبير الذي شهدته عمليات السيطرة على الأراضي منذ أكتوبر 2023.

وقال إن القرى الفلسطينية أصبحت منفصلة عن بعضها بصورة متزايدة، فيما يواصل المستوطنون التقدم داخل الأراضي الزراعية حتى وصلوا إلى أطراف المناطق السكنية.

وأشار إلى منازل ومزارع أخرى يخشى أن تصبح أهدافًا جديدة للمستوطنين، من بينها مجموعة من المنازل على أحد التلال ومزرعة للدواجن تتعرض بالفعل لمضايقات.

كما شهدت المنطقة، وفق التقرير، إحراق مدرسة ومسجد خلال الفترة الأخيرة.

توسع استيطاني متسارع

وقالت الصحيفة إن النشاط الاستيطاني في المناطق المحيطة بجالود شهد منذ أكتوبر 2023 تسارعًا غير مسبوق.

ويجري وضع مبانٍ جاهزة على التلال، بينما تنتشر مزارع استيطانية تضم شبانًا متطرفين يسعون إلى فرض وجود يهودي دائم على مزيد من الأراضي.

وتقع المنطقة بالقرب من مستوطنة شيلو، التي تعد مركزًا أيديولوجيًا لمجموعات من المستوطنين المتشددين، ما يؤدي تدريجيًا إلى تحويل المستوطنات المتفرقة إلى كتلة استيطانية مترابطة.

كما أتاحت ظروف الحرب للمستوطنين والجيش الإسرائيلي فرض السيطرة على أجزاء واسعة من شبكة الطرق المحيطة بالقرى الفلسطينية.

مستوطن مسلح وسط أراضي الفلسطينيين

وسلط التقرير الضوء على قصة المزارع الفلسطيني محمود زكي أبو شنار، البالغ من العمر 65 عامًا، والذي بقيت مزرعته محاصرة تقريبًا بالمستوطنات.

وقال أبو شنار إن حتى بعض جيرانه الإسرائيليين يرفضون ممارسات المستوطنين المتطرفين ويصفونهم بـ«قطاع الطرق».

ومنذ يناير، يخوض أبو شنار وأبناؤه مواجهة مع المستوطن أفيخاي سويسا، البالغ 39 عامًا، والذي استولى على حظيرة أغنام قريبة، وأقام سياجًا وأعلامًا إسرائيلية حولها.

وبحسب التقرير، يقوم سويسا بإدخال أغنامه إلى حقول الباذنجان التي تملكها عائلة أبو شنار، بينما يحمل بندقية آلية ويوجه التهديدات إلى أصحاب الأرض.

وكان سويسا حتى وقت قريب رئيسًا لجمعية توفر للمزارع الإسرائيلية شبانًا للمشاركة في مواجهات مع الفلسطينيين.

وسبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه عام 2024، ثم فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه في مايو 2026، قبل أن تتخذ فرنسا إجراءً مماثلًا في يونيو.

حتى قيادات المستوطنين تشعر بالقلق

لكن «لوموند» قالت إن الممارسات الأخيرة أثارت انزعاجًا حتى داخل المؤسسة الاستيطانية نفسها، التي تخشى أن تتحول تصرفات مجموعات المستوطنين المتطرفين إلى عبء سياسي على المشروعات الاستيطانية الكبرى.

وانتقد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ما وصفه بـ«العنف» في قُصرة، معتبرًا أنه يكلّف إسرائيل ويضر بعلاقاتها مع أصدقائها.

وجاءت تصريحاته، بحسب التقرير، أثناء افتتاح مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية في غانيم، ضمن مشروع إسرائيلي أكبر لإعادة ترسيخ الوجود الاستيطاني في منطقة سبق أن أخلت منها حكومة أرييل شارون المستوطنين عام 2005.

السيطرة على أكثر من 18% من أراضي الضفة

وأشار التقرير إلى أن المشروع الاستيطاني الأوسع لا يقتصر على تحركات «شباب التلال»، إذ تعمل مجالس المستوطنات ومؤسسات البناء الاستيطاني على توسيع سيطرتها على مساحات ضخمة من الضفة الغربية.

وبحسب إحصاءات أوردها التقرير، استطاع المستوطنون منع الفلسطينيين من الوصول إلى أكثر من 18% من أراضي الضفة الغربية، في ظل عمليات طرد للتجمعات البدوية والسيطرة على الأراضي المفتوحة.

كما يجري توسيع المزارع الاستيطانية وشق ما يسمى «طرق الأمن» وإقامة نقاط استيطانية جديدة، بما يشمل مناطق تخضع إداريًا للسلطة الفلسطينية.

وخلص تقرير «لوموند» إلى أن ما يجري يتجاوز حادثة حصار عدد من المنازل في قُصرة، ليكشف عن صراع أوسع داخل إسرائيل بشأن العلاقة بين الجيش والمستوطنين، فيما تتقدم المشاريع الاستيطانية على الأرض بهدف إحاطة المدن والقرى الفلسطينية بمستوطنات وطرق ومزارع يهودية، وتقليص المجال المتاح أمام الفلسطينيين بصورة متواصلة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى