
يطرح بزوغ التنسيق والتحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان واقعاً استراتيجياً جديداً في المنطقة، ويفرض تساؤلاً مشوباً بالحرص والحيرة في آن واحد: ماذا لو انضمت مصر إلى هذا التكتل بحالتها وسياساتها الراهنة؟ هل سيكون انضمامها إضافةً وقوةً للحلف، أم سيكون عبئاً وتكبيلاً لفاعليته؟
إن الإجابة الشفافة تقتضي التفريق الحاسم بين “مصر الجغرافيا والتاريخ والشعب والجيش” – وهي ركن ركين ولا غنى عنه لأي مظلة دفاعية للأمة – وبين “السلوك السياسي للقيادة الحالية”؛ فالخوف ليس من الوزن المصري، بل من أن تُحول الكوابح السياسية والاقتصادية هذا الثقل العسكري العظيم إلى مجرد “خاصرة رخوة” تُعطل قدرة التحالف على المبادرة.
أولاً: معضلة الانضمام الشكلي.. حين تُكبل الكوابحُ الإرادةَ.
لو تم إقحام مصر في هذا التحالف بشروطها وسياساتها الحالية دون معالجة جذرية، فإن ذلك قد يُنتج ثغرات استراتيجية تؤثر على فاعلية التكتل:
- انتقال التردد لمركز صنع القرار: ينطلق هذا التوافق الإقليمي من رغبة في خلق “هامش مناورة وردع جاد” أمام التغول الصهيوني والمحاور المنافسة. وإن انضمام طرف يستند خطه الاستراتيجي منذ عقود إلى التهدئة المطلقة مع الاحتلال والالتزام الصارم بمدخلات الترتيبات الدولية القائمة، قد ينقل فكرة “التكبيل والمساومة” إلى أروقة القرار داخل الحلف.
- الارتهان الاقتصادي والضغوط المالية: أية قوة عسكرية خشنة تحتاج إلى ظهير اقتصادي مستقل. والوضع الاقتصادي الراهن في مصر والاعتماد على المنح والقروض الخارجية يُشكل نقطة ضعف يمكن للخصوم النفاذ منها لضغط التحالف بكامله، مما يجعل الوجود العسكري المصري أفقياً وضخماً لكنه مكبل مالياً وسياسياً.
- حاجة البنية العسكرية للتحديث والتفرغ: يمتلك الجيش المصري رصيداً تاريخياً وبشرياً ضخماً، وإمكانات هائلة تشكل عمق المنطقة الدفاعي. لكن استنزاف جزء من الطاقات الإدارية في الملفات المدنية واقتصاد السوق، إلى جانب القيود الصارمة المترتبة على معاهدات السلام والتسليح المشروط غربياً، يحرم هذه القوة من التفرغ الكامل لمواكبة استحقاقات الحروب الحديثة (كصناعة المسيرات، والتكنولوجيا العسكرية المستقلة).
ثانياً: واقعية التحليل.. دول التحالف ليست خالية من القيود.
من أمانة الطرح ألا نقع في خيال مبسط؛ فدول التحالف الثلاثي ذاتها ليست تكتلاً مثالياً معصوماً من الكوابح:
- تركيا ترتبط بحلف “الناتو” وعلاقات معقدة مع الغرب.
- باكستان تواجه اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية مرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية.
- السعودية ترتبط بملفات أمنية مع واشنطن ورؤية تنموية تتطلب الاستقرار الجيوسياسي.
لكن الميزة الحقيقية لهذا التحالف أنه يملك “عناصر تكامل ذكية” (ردع نووي، وتصنيع عسكري مجرب، وملاءة مالية)؛ وهو ما يعني أن دخول مصر لا ينبغي أن يكون لمجرد التباكي على وضعها، بل لدمج قدراتها العسكرية الهائلة ضمن منظومة تكاملية تُعالج نقاط ضعف الجميع.
ثالثاً: معركة الموانع.. كيف يحاصر الخصومُ الإرادةَ المصرية؟
السؤال المفصلي هنا: هل ستترك واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهما الإقليميون الحرية لمصر لاتخاذ هذا القرار؟
الواقع يؤكد أن أية محاولة مصرية للانزياح نحو تكتل دفاعي نديد ستواجه بمقاومة ورفض شرس عبر أسلحة ضغط حادة:
- الابتزاز المالي والاقتصادي: تُمسك واشنطن وأطراف إقليمية بخناق الاقتصاد المصري عبر صندوق النقد وحسابات الديون والمنح؛ وأي تحرك استقلالي سيُقابل بتعطيل خطوط الائتمان، أو افتعال أزمات عملة طاحنة، أو طلب سداد عاجل للديون لإنهاك الدولة وإشغالها بلقمة العيش.
- التطويق الجيوسياسي: تعميق الاستنزاف في خاصرة مصر الضعيفة (دعم الاضطراب في السودان، وتغذية تعنت إثيوبيا في سد النهضة)، لإبقاء الدولة في مطاردة دائمة لأزمات حدودها، وحرمانها من التفرغ للمشاريع الإقليمية الكبرى.
- الضغط العسكري واللوجستي: التلويح بالمساعدات العسكرية الأمريكية الحاكمة وقطع قطع الغيار للتسليح، لإيجاد حالة من الرعب التنفيذي لدى الإدارة العسكرية من مغبة أي تغيير في العقيدة الخارجية.
رابعاً: كيف تقتنص مصر هامش حريتها؟ (سنن التدافع والتحول)
إن حريّة القرار الاستراتيجي لا تُمنح ولا تُستأذن، بل تُقتنص بوعي وإرادة عبر ثلاث آليات حتمية:
- استغلال تآكل الهيمنة الدولية: تراجع مظلة الحماية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتخبط الاحتلال الصهيوني واستنزافه، يفرض على دول المنطقة خياراً وجودياً بين التكتل الذاتي أو السقوط. والتحالف الثلاثي نفسه لم ينشأ بموافقة أمريكية، بل فُرض بواقع تغير الموازين وتراجع الثقة بواشنطن.
- توفير البديل التكافلي (الغطاء البديل): السبيل الوحيد لكسر الابتزاز الاقتصادي هو أن يطرح التحالف الثلاثي (خاصة السعودية وتركيا) بدائل استثمارية وتصنيعية كبرى؛ فيستبدل الديون المكبلة بمشاريع توطين زراعي وصناعي وتقني، لتمكين الاقتصاد المصري من التنفس الحر.
- التحديث والتوطين الدفاعي: إعادة توجيه المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع في مصر لنقل وتوطين التكنولوجيا العسكرية التركية والباكستانية بدعم مالي وإستراتيجي خليجي، مما يُحرر القرار العسكري المصري تدريجياً من الابتزاز الغربي المشروط.
خامساً: المنظور المقاصدي.. مصر جزء من “مناط الاستطاعة”
من زاوية السياسة الشرعية وفقه النوازل، فإن إعمال قاعدة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ يؤكد أن مصر ليست خياراً ثانوياً يمكن عزله أو الاستغناء عنه. فعزل مصر عن التكتلات الدفاعية هو تفريط في الرئة الكبرى والجغرافيا الحاكمة للحروب والمقدسات.
إن الفقه الأصولي يوجب “التدرج في تحقيق المناط”؛ بحيث يبدأ التنسيق الميداني والسياسي بين الدول المستعدة، مع أبواب مفتوحة وشراكات اقتصادية وتصنيعية تدريجية تمهد الطريق للدولة المصرية لتقليل ارتهاناتها والتكامل مع أمتها.
خلاصة القول:
إن مصر ليست مجرد نظام سياسي عابر، بل هي ركن الجغرافيا وعصب التاريخ لهذه الأمة. وإن استبعادها الدائم هو خسران للأمة، كما أن انضمامها الشكلي والضعيف هو تعطيل للردع.
إن الطريق الصحيح ليس في إبعاد مصر أو جلد ذاتها، بل في “تهيئة شروط العودة القوية” عبر التكامل الاقتصادي والتصنيعي؛ لتعود مصر وتأخذ مكانها الذي يليق بها: قائدةً لا تابعة، وقاطرةً لردع الأمة، وحصناً حصيناً لحماية ثغورها ومقدساتها.





