صناديق الاقتراع تحت أنياب الاحتلال: شرعية فلسطينية أم وهم بلا دولة

تشرع المحافظات الفلسطينية في الضفة الغربية في اتخاذ خطوات إجرائية حاسمة نحو إتمام أول استحقاق تشريعي فلسطيني منذ عشرين عامًا، وذلك عبر تفعيل مراكز تسجيل الناخبين ضمن مسار زمني دقيق يفضي إلى الاقتراع المقرر في 28 نوفمبر المقبل. وتأتي هذه التطورات في ظل مشهد سياسي بالغ التعقيد، إذ تواصل لجنة الانتخابات المركزية أعمالها لتحديث القوائم وسط إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على رفضه العلني لقيام أي كيان فلسطيني سياسي مستقل في قطاع غزة أو الضفة الغربية طالما ظل في موقعه بالسلطة.
وتعكس هذه الخطوة المؤسسية رغبة فلسطينية عميقة في إعادة بناء الشرعية الشعبية وتجاوز حالة الجمود السياسي التي طبعت المشهد طيلة سنوات الانقسام، رغم أن الموقف الإسرائيلي يضع ثقلًا كبيرًا من القيود على التحرك الفلسطيني. ويطرح هذا التناقض تساؤلات جوهرية حول الجدوى السياسية للانتخابات التشريعية الفلسطينية المرتقبة، في ظل غياب أفق واضح للدولة المستقلة واستمرار تحكم القوى المحتلة في مفاصل الحياة اليومية وحرية الحركة للأفراد والمؤسسات.
تحركات الضفة الغربية نحو أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عقدين
باشرت لجان الاقتراع أعمالها لتسجيل الناخبين وتحديث بياناتهم في مختلف محافظات الضفة الغربية منذ السبت، على أن تستمر هذه العملية حتى مساء الأربعاء 19 أغسطس، وفقًا للجدول المعلن من الجهات المختصة. ويحق لكل مواطن بلغ 17 عامًا فأكثر المشاركة في هذا الاستحقاق الذي يستهدف الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس معًا، بينما يتم اعتماد سكان غزة تلقائيًا في سجلات لجنة الانتخابات المركزية دون الحاجة لإجراءات إضافية.
ويعد إدراج مدينة القدس ضمن الخريطة الانتخابية تحديًا تاريخيًا يستوجب المتابعة الدقيقة، خاصة وأن القوى الإسرائيلية فرضت قيودًا صارمة في الدورات السابقة منعت من خلالها مشاركة سكان القدس الشرقية إلا عبر آليات شديدة التعقيد. وحتى اللحظة الراهنة، يغيب أي موقف رسمي إسرائيلي يوضح ماهية التسهيلات الممنوحة لتسجيل واقتراع المقدسيين، مما يجعل من إدراج المدينة في الجدول الزمني الحالي تأكيدًا على السيادة الفلسطينية ومبدأ المشاركة، وليس بالضرورة انعكاسًا لإمكانية تطبيقية على الأرض في ظل الهيمنة الميدانية الراهنة.
الانتخابات التشريعية الفلسطينية والمسار السياسي
تؤكد المعطيات الحالية أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية تهدف بشكل رئيسي إلى تجديد شرعية المؤسسات القائمة منذ اتفاقيات أوسلو، وهو مسار يختلف في طبيعته القانونية والسياسية عن طموح إعلان الدولة ذات السيادة التي يرفضها بنيامين نتنياهو. ويصر بنيامين نتنياهو في تصريحات متكررة على رفضه لأي كيان فلسطيني مستقل، مشددًا على شروط أمنية تتضمن نزع سلاح حماس قبل أي انسحاب من غزة، ورافضًا مقترحات دولية للسلام تتضمن 15 نقطة جوهرية للحل.
وتعتبر هذه الانتخابات التشريعية الفلسطينية وسيلة لإنهاء حالة الحكم بالمراسيم وإعادة بناء التمثيل الشعبي بعد انقسام سياسي طويل بين فتح وحماس، مما يعزز الموقف الفلسطيني داخليًا ويمنحه قوة تفاوضية أمام المجتمع الدولي. وتنظر القوى الدولية إلى هذا الاستحقاق كمتطلب أساسي لإصلاح مؤسسات السلطة، وهو ما قد يفتح الباب أمام دعم مالي وسياسي مستقبلي، خاصة في ظل النقاشات الجارية حول مرحلة ما بعد حرب غزة وخطط إعادة الإعمار، مما يمنح هذه الانتخابات أبعادًا استراتيجية تتجاوز البعد المحلي الصرف.







