مقالات وآراء

محمد أمين أبو سكينة يكتب: ما لا يُقال عن تحالف مكة

في السياسة الدولية، لا تُقرأ التحالفات فقط بأسماء الدول التي تجتمع حولها، وإنما أيضًا بأسماء الدول التي تختار أن تبقى خارجها. وفي الشرق الأوسط، حيث تُعاد صياغة المعادلات الاستراتيجية تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، قد يكون غياب دولة عن تحالف ما أكثر دلالة من حضورها.


ففي السابع من أغسطس 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، في خطوة دفعت إليها الرياض لإعادة ترتيب منظومة أمنها وتنويع ركائزها الاستراتيجية، حيث يقوم الاتفاق على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُعامل الاعتداء على أي دولة من الدول الثلاث باعتباره اعتداءً عليها جميعًا، وهو مبدأ فسر الجانب التركي منطقه بأنه أشبه بالمادة الخامسة لحلف الناتو. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه حاجة دول الخليج لترتيبات إقليمية أكثر استقلالاً، بعدما أثبتت التحولات الأخيرة انكشاف المظلة الأمريكية، وعجزها عن تقديم حماية فاعلة للخليج، في ظل انحياز واشنطن الواضح الذي يضع أمن إسرائيل وحمايتها كأولوية مطلقة تتقدم على أي التزامات تجاه حلفائها الخليجيين.


لكن الأكثر إثارة في المشهد ليس توقيع الدول الثلاث، وإنما غياب مصر. فالقاهرة لم تكن بعيدة عن المسار الذي سبق الاتفاق؛ بل شاركت في اتصالات رباعية مع السعودية وتركيا وباكستان بشأن الأمن الإقليمي، واستضافت اجتماعًا لهذا الإطار في يونيو الماضي. وعقب التوقيع الثلاثي في مكة، حرصت أنقرة على تأكيد استمرار الأفق الاستراتيجي للانضمام، حيث صرّح وزير الخارجية التركي رسميًا بأن الباب لا يزال مفتوحًا أمام القاهرة.


غير أن مصر ليست دولة تبحث عن مظلة تحتمي بها؛ فهي تملك قوة عسكرية هي الأقوى بالمنطقة، وموقعًا يجعلها الجزء الأهم في معادلة الأمن الإقليمي، وثقلًا تاريخيًا جعلها قلب المنطقة منذ قديم الزمان. ومن هذا المنطلق، لا تسأل القاهرة: ماذا سيقدم لنا التحالف؟ بل: ماذا سيفرضه علينا؟ إذ تدرك الدولة المصرية الفارق بين التعاون العسكري والدخول في بنية ملزمة تجعل القرار شأنًا مشتركًا يمس جوهر «القرار الاستراتيجي المستقل».


وتزداد دقة هذه الحسابات مع اقتراب المنطقة من نقطة الانفجار الشامل، في ظل وصول الصراع بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى معادلات صفرية حادة؛ حيث باتت مواقف أطراف النزاع على درجة من التصلب تجعل تراجع أي طرف يُقرأ كخسارة وجودية في حساباته الاستراتيجية، وتجعل التفاوض أو المساومة أمرًا شبه مستحيل. وهنا تحديدًا تكمن المحاذير المصرية؛ حيث تخشى القاهرة أن يتحول التحالف الدفاعي إلى بوابة لانخراطها في حرب بالوكالة لحساب واشنطن وتل أبيب ضد طهران، أو أن ينزلق التكتل تدريجيًا ليتخذ منحى طائفيًا يغذي صراعًا «سنيًا – شيعيًا» يعيد تفكيك المنطقة وتفتيت مجتمعاتها.

ففي العقيدة الاستراتيجية المصرية، تظل إسرائيل هي الخطر الأكبر والمصدر الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة، ولا يمكن للقاهرة التورط في مواجهات لا تحدد هي أهدافها أو توقيتها أو طرق مواجهتها، أو أن تصبح -عبر آليات التحالف- في اصطفاف ضمني مع تل أبيب في خندق واحد.


وبالإضافة إلى هذه المحاذير الإقليمية، يأتي البعد الدولي ليزيد من تعقيد المشهد؛ فالتحالف الدفاعي الشامل قد يضع مصر في مواجهة غير مباشرة مع حلفاء استراتيجيين، بالنظر إلى صراع باكستان المزمن مع الهند، وتوترات تركيا المتواصلة مع اليونان وقبرص، وهي أطراف ترتبط مع القاهرة بشراكات وثيقة لا ترغب في التضحية بها لأجل معادلات لا تخص مصالحها المباشرة.


من هنا، فإن أي انضمام مصري مستقبلي لن يكون مجرد إضافة دولة رابعة، بل سيعيد تعريف وزن التحالف وطبيعته بالكامل. ولذا، فإن السؤال الاستراتيجي المطروح ليس لماذا غابت القاهرة اليوم، بل كيف يمكن أن تنضم مستقبلاً دون أن تنتقص التزامات التحالف من حريتها السيادية؟


وفي المحصلة، فإن مكانة الدول لا تُقاس بالتسابق نحو التكتلات، بل بقدرتها الصارمة على صون استقلاليتها وإبقاء زمام أمرها بيديها. وفي عالمٍ تحكمه السيولة وتتبدل فيه جغرافيا النفوذ، يظل القرار المستقل هو المظلة الأهم؛ فالدولة التي تملك زمام إرادتها تمتلك قدرة الاختيار بين مقاعد المواجهة أو مساحات التهدئة، فتخوض المعارك حين تتطلبها مصلحتها الوطنية العليا، وترفضها حين يُراد منها أن تكون وقودًا لحسابات غيرها. فالحكمة الاستراتيجية لا تكمن في الحشد والتجييش، بل في الامتلاك الدائم لقرار السلم والحرب وفق بوصلة المصالح الوطنية لا بوصلة التحالفات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى