ملفات وتقارير

ثلاث روايات عن أموال التأمينات.. أين الحقيقة؟

بعد أكثر من أربعة عقود من الجدل حول أموال التأمينات في مصر، عاد الملف إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر روايات مختلفة لمسؤولين وشخصيات كانوا قريبين من دوائر اتخاذ القرار.

وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي يقول إن أموال التأمينات لم تضع وإن جزءًا منها استُثمر وحقق عوائد مرتفعة.

وزيرة التأمينات السابقة ميرفت التلاوي ترفض روايته، وتقول إن الأموال استُخدمت في تمويل مشروعات للدولة، وإن العائد الذي حصلت عليه التأمينات لم يكن مناسبًا.

وفي الخلفية، تعود إلى الواجهة تحذيرات برلمانية قديمة، من بينها ما أثاره الدكتور أيمن نور تحت قبة مجلس الشعب بشأن أموال التأمينات والدين العام.

ثلاث زوايا مختلفة لقضية واحدة.

فماذا يقول كل طرف؟ وماذا تقول الأرقام؟

يوسف بطرس غالي: الأموال لم تضع

في يوليو 2026، أعاد يوسف بطرس غالي فتح الملف خلال حديث إعلامي تناول فيه الاتهامات التي لاحقته لسنوات بشأن أموال التأمينات.

غالي رفض القول إن الأموال ضاعت، كما نفى استثمارها خارج مصر.

وقدم رواية تقوم على أن جزءًا من فوائض التأمينات جرى استثماره من خلال شركات متخصصة في إدارة المحافظ، وأن هذه الاستثمارات حققت، بحسب قوله، عوائد مرتفعة.

ومن وجهة نظره، فإن الصورة التي ترسخت لدى قطاع من الرأي العام عن «ضياع أموال التأمينات» لا تعكس حقيقة ما حدث.

لكن روايته لم تمر دون اعتراض.

ميرفت التلاوي: العائد لم يكن مناسبًا

ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات الاجتماعية السابقة، خرجت لترد على غالي وتقول إن روايته لا تقدم الصورة كاملة.

الخلاف الأساسي الذي طرحته التلاوي يتعلق بطريقة استخدام الأموال والعائد الذي حصلت عليه صناديق التأمينات.

وبحسب روايتها، جرى استخدام جانب من أموال التأمينات في تمويل مشروعات للدولة، بينما لم تحصل الصناديق على العوائد التي كان يمكن أن تحققها من بدائل استثمارية أخرى.

وهنا انتقلت القضية من سؤال بسيط عن وجود الأموال أو ضياعها إلى سؤال اقتصادي أكثر دقة:

هل تمت إدارة أموال التأمينات بالطريقة التي تحقق أفضل عائد لأصحابها؟

أيمن نور: تحذيرات سبقت ظهور الأرقام

الرواية الثالثة تعود بنا إلى أكثر من عشرين عامًا إلى الوراء.

خلال وجوده في مجلس الشعب، أثار الدكتور أيمن نور ملف الدين العام وأموال التأمينات ضمن تحركاته وأدواته الرقابية داخل البرلمان.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية مختلفة اليوم، ليس باعتبارها دليلًا منفردًا على صحة رواية معينة، وإنما لأنها سبقت ظهور جانب كبير من حجم التشابكات بالأرقام.

فبعد سنوات من تلك التحذيرات، أظهرت البيانات وصول مستحقات صندوقي التأمين والمعاشات لدى بنك الاستثمار القومي إلى نحو 241.4 مليار جنيه في 2006.

ثم جاءت تسوية 2019 لتتعامل مع تشابكات والتزامات قُدرت بنحو 898.7 مليار جنيه.

الأرقام تقول إن هناك مشكلة حقيقية

بعيدًا عن الخلاف بين الشخصيات، هناك حقيقة يصعب تجاوزها.

لقد نشأت على مدار عقود تشابكات مالية ضخمة بين أموال التأمينات وبنك الاستثمار القومي والخزانة العامة.

وصول مستحقات التأمينات لدى بنك الاستثمار القومي إلى مئات المليارات، ثم صدور قانون لوضع تسوية طويلة الأجل بين الخزانة وهيئة التأمينات، يعني أن القضية لم تكن مجرد سجال سياسي أو إعلامي.

لكن وجود المشكلة لا يحسم تلقائيًا المسؤولية عنها.

ولا يثبت وحده أن كل الاتهامات التي وجهت إلى مسؤول بعينه كانت صحيحة.

أين يقع الخلاف الحقيقي؟

عند مقارنة الروايات، يظهر أن الخلاف يدور حول عدة أسئلة رئيسية.

هل كانت فوائض التأمينات مجرد أموال يتم استثمارها لصالح أصحابها، أم تحولت عمليًا إلى أحد مصادر تمويل استثمارات واحتياجات الدولة؟

هل العوائد التي حصلت عليها الصناديق كانت مناسبة؟

من كان صاحب القرار بشأن توجيه الأموال؟

وما المسؤولية التي تحملتها كل حكومة ووزارة خلال العقود التي تراكمت فيها التشابكات؟

والأهم: هل يمكن تحميل شخص أو حكومة واحدة مسؤولية قضية بدأت قبلها واستمرت بعدها؟

الوثائق قبل الروايات

لهذا لا يمكن حسم قضية أموال التأمينات بالاعتماد على شهادة مسؤول واحد، سواء كان يوسف بطرس غالي أو ميرفت التلاوي أو أيمن نور.

كل شهادة تمثل جزءًا من الصورة.

لكن اختبارها يحتاج إلى العودة إلى الموازنات، وحسابات صناديق التأمينات، ومستحقاتها لدى بنك الاستثمار القومي، والقوانين والقرارات المنظمة لاستثمار الأموال، ثم اتفاقات فض التشابكات التي أُقرت لاحقًا.

وعندها فقط يمكن الفصل بين ثلاثة أشياء كثيرًا ما تختلط في النقاش العام:

ما هو ثابت بالوثائق، وما هو تفسير اقتصادي لهذه الوثائق، وما هو موقف سياسي من طريقة إدارة الأموال.

وهنا يواصل «أخبار الغد» فتح الملف.

ليس بحثًا عن رواية ننتصر لها، وإنما عن إجابة يمكن إثباتها على السؤال الذي بدأ منه التحقيق:

ماذا حدث لأموال التأمينات فعلًا؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى