من كان يملك قرار أموال التأمينات؟.. رحلة المسؤولية بين التأمينات وبنك الاستثمار والمالية

من المسؤول عن إدارة أموال التأمينات في مصر؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكن تتبع رحلة الأموال خلال العقود الماضية يكشف أن الإجابة أكثر تعقيدًا من تحميل المسؤولية لوزير أو حكومة واحدة.
فبين وزارة التأمينات، وصناديق التأمين والمعاشات، وبنك الاستثمار القومي، ووزارة المالية، تعاقبت جهات مختلفة على إدارة الأموال أو استثمارها أو الاحتفاظ بجانب من مستحقاتها.
ومع تجدد الجدل في 2026، أصبح تحديد صاحب القرار في كل مرحلة ضروريًا لفهم ما حدث فعلًا.
صناديق التأمينات.. أصحاب الأموال
في الأصل، أموال التأمينات ليست إيرادات عامة عادية للدولة.
هي حصيلة اشتراكات وموارد مخصصة لتمويل الحقوق التأمينية والمعاشات، وهو ما يجعل طريقة إدارتها واستثمارها والعائد عليها جزءًا أساسيًا من القضية.
لكن فوائض هذه الأموال لم تبق طوال العقود الماضية تحت إدارة الصناديق وحدها.
بنك الاستثمار القومي.. المحطة الأهم
مع إنشاء بنك الاستثمار القومي عام 1980، أصبح البنك أحد أهم الأماكن التي توجهت إليها فوائض صناديق التأمينات.
وكان البنك يستخدم الموارد المتاحة لديه في تمويل استثمارات الخطة العامة للدولة.
وهنا نشأ أحد أهم أوجه التشابك.
فالصناديق لها مستحقات لدى البنك، بينما الأموال نفسها دخلت في دورة تمويل استثمارات ومشروعات عامة.
وبحلول 2006، كانت مستحقات صندوقي التأمين والمعاشات لدى بنك الاستثمار القومي قد وصلت إلى نحو 241.4 مليار جنيه.
وزارة المالية تدخل المشهد
مع مرور الوقت، لم تعد القضية محصورة بين التأمينات وبنك الاستثمار القومي.
أصبحت وزارة المالية طرفًا رئيسيًا في التشابكات، خصوصًا مع انتقال جانب من الالتزامات إليها وتداخل تمويل المعاشات والموازنة العامة ومستحقات الصناديق.
وهنا أصبح من الصعب قراءة القضية باعتبارها مجرد «أموال أودعت في بنك».
كانت هناك شبكة من الالتزامات المتبادلة بين مؤسسات حكومية مختلفة.
ومن اتخذ قرار الاستثمار؟
أحد الأسئلة التي عادت بقوة مع تصريحات يوسف بطرس غالي يتعلق باستثمار جانب من فوائض التأمينات في سوق المال.
غالي يقول إن الاستثمار جرى من خلال جهات متخصصة وإن الأموال حققت عوائد.
في المقابل، اعترضت ميرفت التلاوي على جانب من هذه الرواية وطريقة تقييم العائد الذي حصلت عليه التأمينات.
كما دخل محمد يونس، رئيس مجموعة كونكورد، على خط الجدل، مؤكدًا أن الشركة كانت تدير المحفظة الاستثمارية، بينما قرار توجيه الأموال للاستثمار لم يكن قرار الشركة وإنما قرارًا اتخذته الدولة.
وهنا يظهر السؤال الأكثر أهمية:
من داخل الدولة اتخذ القرار؟ وتحت أي قواعد؟ ومن كان مسؤولًا عن تقييم النتائج؟
هل يوسف بطرس غالي هو المسؤول؟
ارتبط اسم غالي بالقضية بصورة كبيرة في النقاش العام، خصوصًا بسبب المناصب الاقتصادية التي شغلها ثم توليه وزارة المالية.
لكن اختزال ملف بدأ منذ الثمانينيات واستمر بعد خروجه من الحكومة في شخص واحد لا يقدم صورة كاملة للقضية.
فالعلاقة بين التأمينات وبنك الاستثمار القومي سبقت وجوده في وزارة المالية بسنوات طويلة، كما استمرت التشابكات والتسويات بعد رحيله.
وهذا لا ينفي مسؤولية أي مسؤول عن القرارات التي اتخذت خلال فترة وجوده، لكنه يجعل السؤال الصحفي أكثر دقة:
ما القرارات التي اتخذها كل مسؤول تحديدًا؟
2019.. إعادة ترتيب المسؤولية
مع قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الجديد، أعيد تنظيم جانب مهم من العلاقة بين هيئة التأمينات والخزانة.
وبدأت وزارة المالية في تحويل أقساط سنوية للهيئة ضمن تسوية التشابكات المتراكمة.
وبذلك تحولت العلاقة القديمة المعقدة إلى التزام مالي أكثر وضوحًا تتحمله الخزانة تجاه التأمينات وفق آلية قانونية محددة.
لكن التسوية المالية لا تجيب وحدها عن أسئلة الماضي.
المسؤولية ليست اسمًا واحدًا
العودة إلى تاريخ الملف تكشف أن قضية أموال التأمينات مرت عبر حكومات ووزراء ومؤسسات وقرارات امتدت لأكثر من أربعة عقود.
ولهذا فإن تحديد المسؤولية يحتاج إلى الفصل بين المراحل.
من قرر إيداع الفوائض لدى بنك الاستثمار القومي؟
من حدد أسعار العائد؟
من اتخذ قرارات الاستثمار؟
من قرر استخدام الموارد في تمويل مشروعات الدولة؟
ومن وافق على تراكم المستحقات بالشكل الذي استدعى لاحقًا تسوية تمتد لعقود؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أهم من البحث عن اسم واحد لتحميله القضية كاملة.
لأن السؤال لم يعد فقط:
أين ذهبت أموال التأمينات؟
بل أصبح أيضًا:
من كان يملك قرارها في كل مرحلة.. ومن يتحمل مسؤولية هذا القرار؟







