898.7 مليار جنيه.. ماذا يعني الرقم الأكبر في قضية أموال التأمينات؟

عاد رقم 898.7 مليار جنيه إلى الواجهة مع تجدد الجدل حول أموال التأمينات والمعاشات في مصر. رقم ضخم ارتبط بتسوية التشابكات المالية بين الخزانة العامة وهيئة التأمينات في 2019، وأصبح لاحقًا واحدًا من أكثر الأرقام تداولًا عند الحديث عن مصير أموال أصحاب المعاشات.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يمثل هذا الرقم فعلًا؟
وهل يعني أن نحو 900 مليار جنيه اختفت من أموال التأمينات؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدًا؟
ليست أموالًا اختفت في عام واحد
لفهم الرقم، يجب العودة إلى العلاقة التي نشأت على مدار عقود بين صناديق التأمينات وبنك الاستثمار القومي والخزانة العامة.
فوائض التأمينات جرى توظيفها لسنوات من خلال بنك الاستثمار القومي، بينما تراكمت مستحقات الصناديق وعوائدها، بالتوازي مع تشابكات مالية أخرى بين التأمينات ووزارة المالية.
وبمرور السنوات أصبحت هناك التزامات ضخمة تحتاج إلى تحديد وتسوية بين مؤسسات الدولة.
لذلك فإن رقم 898.7 مليار جنيه لا يمكن التعامل معه باعتباره مبلغًا واحدًا اختفى أو تم إنفاقه في لحظة معينة، وإنما نتيجة تراكمات والتزامات وتشابكات مالية تكونت عبر سنوات طويلة.
2019.. الدولة تبدأ فض التشابكات
مع صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، اتخذت الدولة خطوة لإعادة تنظيم العلاقة المالية بين الخزانة العامة وهيئة التأمينات.
وتم الاتفاق على تسوية الالتزامات القائمة، التي قُدرت وقتها بنحو 898.7 مليار جنيه.
لكن التسوية لم تعنِ أن الخزانة ستدفع هذا الرقم مرة واحدة.
تم وضع آلية طويلة الأجل تقوم على تحويل مبلغ سنوي من الخزانة العامة إلى هيئة التأمينات لمدة تصل إلى 50 عامًا، مع زيادة سنوية مقررة.
160.5 مليار جنيه في السنة الأولى
بدأت الخزانة تنفيذ الاتفاق بتحويل نحو 160.5 مليار جنيه في السنة المالية الأولى لتطبيق التسوية.
وكان من المقرر زيادة قيمة القسط سنويًا وفق الآلية التي حددها القانون والاتفاق بين وزارة المالية وهيئة التأمينات.
وهنا تظهر نقطة مهمة.
القيمة الإجمالية التي ستدفعها الخزانة على مدار مدة التسوية ليست 898.7 مليار جنيه فقط، لأن المدفوعات السنوية والزيادات المقررة تجعل إجمالي التدفقات على مدى العقود التالية أكبر بكثير من الرقم الأصلي الذي انطلقت منه التسوية.
لماذا احتاجت التسوية إلى 50 عامًا؟
مدة التسوية نفسها تطرح سؤالًا مهمًا حول حجم وتعقيد التشابكات.
فالدولة لم تكن أمام دين تجاري عادي يمكن سداده دفعة واحدة، وإنما أمام علاقة مالية ممتدة بين الخزانة ونظام تأميني مسؤول عن معاشات وحقوق ملايين المواطنين.
وكان المطلوب وضع آلية تضمن تدفق موارد سنوية إلى هيئة التأمينات، وفي الوقت نفسه لا تضع على الموازنة العامة عبئًا يستحيل تحمله دفعة واحدة.
ومن هنا جاءت فكرة الأقساط السنوية الممتدة لعقود.
ماذا حصلت التأمينات في المقابل؟
جوهر التسوية كان إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين.
فبدل استمرار التشابكات القديمة بين الهيئة والخزانة وبنك الاستثمار القومي، أصبح هناك التزام سنوي محدد تتحمله الخزانة تجاه هيئة التأمينات.
لكن ذلك لا ينهي الأسئلة المتعلقة بالفترة السابقة.
كم بلغ أصل الأموال التي تم توظيفها؟
وكم بلغت العوائد المتراكمة عليها؟
وهل كانت العوائد التي حصلت عليها صناديق التأمينات عادلة مقارنة بفرص الاستثمار المتاحة وقتها؟
وكيف توزعت المسؤولية عن القرارات التي اتخذت بشأن هذه الأموال على مدار الحكومات المختلفة؟
غالي والتلاوي.. الخلاف يعود إلى العوائد
وهنا تكتسب المواجهة الأخيرة بين يوسف بطرس غالي وميرفت التلاوي أهميتها.
غالي يقول إن الأموال لم تضع، وإن جزءًا منها استُثمر وحقق عوائد مرتفعة.
بينما تعترض التلاوي على هذه الرواية، وتقول إن العوائد التي حصلت عليها التأمينات لم تكن مناسبة، وإن جانبًا من الأموال استُخدم في تمويل مشروعات للدولة.
الخلاف إذن ليس فقط حول سؤال: هل الأموال موجودة أم لا؟
بل حول سؤال أكثر تعقيدًا:
كيف استُخدمت أموال التأمينات؟ وهل حصل أصحابها على العائد الذي كان ينبغي أن تحققه؟
الرقم لا يغلق القضية
قدمت تسوية 2019 إطارًا قانونيًا وماليًا للتعامل مع التشابكات المتراكمة، لكنها لم تغلق بالضرورة الجدل التاريخي حول كيفية إدارة أموال التأمينات خلال العقود السابقة.
ولهذا فإن قراءة رقم 898.7 مليار جنيه باعتباره دليلًا منفردًا على «ضياع» الأموال ستكون قراءة غير دقيقة.
وفي المقابل، فإن وجود تسوية بهذا الحجم وبهذه المدة يكشف حجم التشابكات التي تراكمت بالفعل بين أموال التأمينات والمالية العامة للدولة.
وبين الروايتين، تبقى المهمة الصحفية في تفكيك الرقم نفسه:
ما أصل الأموال؟ وما العوائد؟ وما الديون؟ وما الذي تمت تسويته؟ وما الذي تدفعه الخزانة اليوم؟
لأن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تقربنا خطوة أخرى من السؤال الأكبر:
ماذا حدث لأموال التأمينات فعلًا؟





