أزمة النيل تتجدد بين مصر وإثيوبيا بعد تصريحات عن التحكم في تدفقات المياه

تجدد التوتر بين مصر وإثيوبيا بشأن مياه النيل، بعد تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا تحدث فيها عن قدرة بلاده على التحكم في تدفقات النهر المتجهة إلى دول المصب، بالتزامن مع استمرار أديس أبابا في خطط تطوير سدود جديدة على النيل الأزرق.
وقال الوزير الإثيوبي، في مقابلة تلفزيونية، إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، وهي تصريحات أثارت رد فعل مصرياً حاداً، في ظل استمرار الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا حول إدارة مياه النيل والمشروعات الإثيوبية المقامة على مجراه.
واعتبرت القاهرة أن أي توجه للتحكم في تدفقات مياه النيل يمثل تجاوزاً لقواعد القانون الدولي ومحاولة لفرض أمر واقع جديد على نهر دولي تتشارك فيه دول المنبع والمصب.
مصر: القضية تمس الأمن القومي
وقال وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق محمد نصر الدين علام إن تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي لا تخدم العلاقات بين دول حوض النيل، ولا تساعد على بناء الثقة اللازمة لإدارة مورد مائي مشترك.
وأوضح علام أن المسألة بالنسبة إلى مصر تتجاوز الخلاف حول مشروع بعينه، نظراً لأن الموارد المائية تمثل عنصراً أساسياً في حياة الدولة المصرية، مؤكداً أن أي محاولة للسيطرة على تدفقات المياه أو استخدامها كورقة ضغط يجب التعامل معها باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي.
وأكد أن القاهرة لا ترفض حق إثيوبيا في التنمية أو إقامة مشروعات لتلبية احتياجات شعبها، لكنها تتمسك بأن يتم ذلك في إطار يحترم مصالح دول المصب، وبالتنسيق مع مصر والسودان، خصوصاً عندما تكون للمشروعات تأثيرات محتملة على تدفقات النهر.
وأشار إلى أن السعات التخزينية الكبيرة لبعض المشروعات الإثيوبية تثير تساؤلات تتجاوز مسألة إنتاج الكهرباء أو خدمة التنمية الداخلية، باعتبار أن امتلاك قدرات كبيرة على تخزين المياه يمنح أديس أبابا هامشاً أوسع للتأثير في تدفقات النيل.
وشدد على أن إقامة مشروعات على الأنهار الدولية لا تخضع لإرادة دولة واحدة، وإنما تحكمها قواعد ومبادئ في القانون الدولي، من بينها إخطار الدول المتأثرة بالمشروعات وعدم التسبب في أضرار لها.
تحذيرات من أزمة قانونية وسياسية
من جانبه، قال أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين إن تصريحات الوزير الإثيوبي قد تفتح الباب أمام أزمة قانونية وسياسية أكبر بين القاهرة وأديس أبابا.
وأوضح أن قواعد القانون الدولي المنظمة للمياه العابرة للحدود تقوم على احترام مصالح الدول المتشاطئة وعدم اتخاذ إجراءات يمكن أن تؤدي إلى إلحاق ضرر ملموس بها.
وأضاف أن دول المنبع لا تملك سلطة مطلقة على تدفقات الأنهار الدولية، مشيراً إلى أن المشروعات المائية الكبرى ينبغي ألا تؤدي إلى تغيير جوهري في كميات المياه أو توقيت وصولها أو نوعيتها إلى دول المصب.
وأكد أن إدارة الموارد المائية المشتركة تتطلب التنسيق والإخطار والتوافق بين الأطراف المعنية، بما يمنع تحول المشروعات المائية إلى مصدر دائم للتوتر بين دول الحوض.
تساؤلات حول خطط السدود الإثيوبية
وطرح نور الدين تساؤلات بشأن أهداف التوسع الإثيوبي في إنشاء السدود، مشيراً إلى أن إنتاج الكهرباء يمكن تحقيقه من خلال مصادر متعددة للطاقة، من بينها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود، في حين لا توجد بدائل حقيقية للمياه بالنسبة للدول التي تعتمد على النهر في احتياجاتها الأساسية.
واعتبر أن تقييم التحركات الإثيوبية يجب ألا يقتصر على الجانب الفني المرتبط بإنتاج الطاقة أو التنمية، وإنما ينبغي أن يشمل الأبعاد السياسية والإقليمية للمشروعات الجديدة.
وأشار إلى أن الخلاف بين مصر وإثيوبيا يتأثر أيضاً بالتطورات السياسية في منطقة القرن الأفريقي، في ظل سعي أديس أبابا إلى تعزيز حضورها الإقليمي والبحث عن منفذ بحري، مع استمرار القاهرة في رفض إقامة مشروعات جديدة على النيل الأزرق بصورة منفردة ومن دون ترتيبات تضمن عدم الإضرار بدول المصب.
ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق
وتأتي التصريحات الإثيوبية في وقت أعلنت فيه أديس أبابا، خلال مارس الماضي، خططاً لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق.
وتؤكد إثيوبيا أن تلك المشروعات تستهدف بصورة أساسية إنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية وربط البلاد بشبكات الطاقة الإقليمية.
في المقابل، تنظر مصر إلى التوسع في إنشاء السدود باعتباره عاملاً قد يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على تنظيم تدفقات المياه قبل وصولها إلى السودان ومصر، ما يزيد المخاوف بشأن مستقبل الأمن المائي لدول المصب.
وتأتي الأزمة الجديدة امتداداً للخلاف المستمر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن إدارة مياه النيل، في وقت لا تزال فيه قضية المشروعات الإثيوبية على النيل الأزرق واحدة من أبرز الملفات الخلافية بين البلدين.







