بيوت تتهاوى وتحظر صيانة منازلهم: حصار يهدد لاجئي فلسطين بلبنان

تداول المهتمون تفاصيل أزمة توقيف شاب فلسطيني في مخيم البص الكائن بمدينة صور في جنوب الجمهورية اللبنانية على يد عناصر الدرك اللبناني، وهو ما أعاد إلى الواجهة ملف حظر توريد لوازم البناء إلى التجمعات الفلسطينية، وما ينجم عن ذلك من أزمات معقدة تعرقل مساعي القاطنين في ترميم مساكنهم المتصدعة، بالتوازي مع تزايد رقعة المنشآت الآيلة للانهيار وانكماش دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين النزوح في قطاع الترميم والتأهيل بشكل ملحوظ للعيان.
بدأت الواقعة عندما ضبطت دورية تابعة للجهات الأمنية اللبنانية شخصاً أثناء محاولته توريد كميات من أكياس الرمل ومادة البحص إلى داخل مخيم البص عبر أحد الزواريب الفرعية، ليتم إثر ذلك مصادرة كافة اللوازم التي كانت بحوزته في الحال. وأكد علي الجمل، بصفتها مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم البص، في تصريحات نقلها موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن جهاز الدرك بمدينة صور أقدم على توقيف الشاب عقب محاولته إدخال مستلزمات الإنشاءات إلى المخيم، معتبراً أن هذا التصرف يشكل خرقاً للقوانين المتبعة وفق الإجراءات التنظيمية المعمول بها، ومبيناً أن تصاريح الترخيص الخاصة بإدخال تلك المواد توقفت في الآونة الأخيرة وصارت تشترط الحصول على موافقات مسبقة من مديرية مخابرات الجيش اللبناني.
وأضاف الجمل أن الشاب استعاد حريته وأُفرج عنه بعد مضي عدة ساعات، وذلك إثر توقيع تعهد رسمي بعدم إدخال مواد البناء مجدداً إلى المخيم، لافتاً إلى أن اللجوء للتهريب وإدخال المواد عبر مسالك غير رسمية جاء نتيجة المنع التام المفروض عليها. وأوضح أن هذه المعاناة تضاعف أعباء التكلفة المالية لمواد البناء، إذ يرتفع ثمنها من نحو عشرين دولاراً أمريكياً ليصل إلى ثمانين دولاراً نتيجة صعوبة المسالك المتبعة في إدخالها، مما يمثل عبئاً مالياً فادحاً على كاهل القاطنين الساعين لإصلاح مساكنهم المهدمة.
ووصف المسؤول الشعبي الأوضاع داخل مخيم البص بأنها بالغة الصعوبة، منوهاً إلى أن التجمع خرج من نزاع مسلح مدمر بلا إعانات أو دعم كاف، بينما أدت أعمال القصف العنيف إلى تخريب غالبية المنازل وتصدع أسقفها بشكل كامل. وأردف أن الأهالي يحاولون شق طريقهم حتى عبر الطرق غير الرسمية لإصلاح ما يمكن إنقاذه، وسط تراجع وكالة الأونروا عن تحمل مسؤولياتها في ملف تأهيل المساكن المتضررة.
وتعود جذور القيود المفروضة على توريد لوازم البناء إلى تجمعات منطقة صور نحو قرارات صدرت عام ألف وتسعة مئة وسبعة وتسعين، وشملت مخيمات البص والبرج الشمالي والرشيدية، تلتها مراحل شهدت سماحاً مؤقتاً ثم حظراً متكرراً، وصولاً إلى مرحلة السماح المقروط بتصاريح أمنية مشددة. وتؤكد تقارير حقوقية متواترة أن هذه المعوقات لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على كفاءة السكان في صيانة بيوتهم وحمايتها من الانهيار.
وشهد عام دوائر التشريع ألفين وواحد إقرار القانون رقم مئتين وست وتسعين المختص باكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في الجمهورية اللبنانية، وهو التشريع الذي سلب الفلسطينيين حق امتلاك العقارات خارج الحدود الجغرافية للمخيمات، ليضع عراقيل إضافية أمام حرية السكن المتاحة لهم. وتتسبب هذه الحواجز في عجز قطاع عريض من الأهالي عن ترميم بيوتهم المتشققة، بينما تتنامى أعداد المساكن المتصدعة والمعرضة للسقوط المفاجئ فوق صبيانها وساكنيها، مما يضاعف حجم الأخطار المحدقة بالأرواح داخل هذه التجمعات السكنية المكتظة.
وسبق أن نبهت الأونروا مراراً إلى أن الحظر المفروض على مواد البناء وتصاعد أسعارها الفلكية عطلا بصورة قطعية قدرة الأسر الفلسطينية على إنجاز أعمال الصيانة والتدعيم الضرورية لمساكنهم. ولم تقتصر هذه التجاوزات على الحادثة الراهنة، حيث رصد موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين عبر الأعوام الماضية وقائع مشابهة استهدفت أشخاصاً حاولوا تشييد أو ترميم بيوتهم.
وتمثلت أبرز تلك الوقائع في احتجاز المُسنة الفلسطينية آمال موسى بتاريخ ثامن وعشرين من شهر يوليو عام ألفين واثنين وعشرين، بحجة إنشاء منزل من دون ترخيص رسمي، واستمر توقيفها لغاية الأول من شهر أغسطس، قبل إخلاء سبيلها مشترطاً إجبارها على هدم الأساسات الإنشائية التي شرعت في بنائها. وقبل ذلك في عام ألفين وتسعة عشر، أوقفت الجهات الأمنية اللاجئ إبراهيم مصطفى القاطن في مخيم البرج الشمالي، بتهمة ارتكاب مخالفة صريحة تتمثل في تشييد مسكن فوق أرض مشاع واقتناء مواد بناء عبر مسالك غير شرعية.
وفي ذات العام المنصرم، ألقت السلطات الأمنية القبض على اللاجئ سعيد شبايطة القاطن في مخيم عين الحلوة، وجرى إجباره على هدم سقف إسمنتي كان قد أقامة بهدف الاستقرار فيه مع زوجته فوق مسكن شقيقه، قبل أن يُفرج عنه عقب إتمام الهدم وتقديم تعهد خطي بوقف أية أعمال إنشائية مستقبلية.





