“لوموند الفرنسية” تفتح النار على ترامب وتصف سياسته بالشرق الأوسط بالفشل الذريع

تتجلى إخفاقات ترامب الكبرى بوضوح في سياسات البيت الأبيض التي تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية السليمة، حيث أثبتت الأشهر الأخيرة أن الإدارة الحالية تعيش حالة من التخبط الواضح في التعامل مع الملفات الإقليمية الأكثر تعقيدًا حسبما ورد في تقرير صحفي نشر في صحيفة “لوموند” الفرنسية.
وتؤكد الوقائع المتسارعة منذ عودة الرئيس الأمريكي إلى منصبه أن حصيلة أدائه تتسم بالعجز السياسي وعدم القدرة على إدارة الأزمات، مما حول منطقة الشرق الأوسط إلى مسرح لاستعراض نقاط الضعف بدلاً من تعزيز النفوذ الدولي للولايات المتحدة.
إخفاقات ترامب الكبرى تكشف تراجع الهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط
تسببت الاستراتيجية العسكرية غير المدروسة تجاه إيران في أزمات جيوسياسية خانقة، وأدى التحرك المشترك مع “إسرائيل” إلى نتيجة كارثية تمثلت في إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي أمام حركة الملاحة الدولية. وكان المضيق قبل يوم 28 فبراير يشهد عبور المئات من ناقلات النفط والغاز وحاويات الشحن بكل سلاسة، قبل أن يفرض النظام الإيراني سيطرة غير مسبوقة استغل فيها صياغة اتفاق غامض مع واشنطن، مما كشف عن محدودية قدرات أكبر قوة عسكرية في العالم أمام هذه التحديات.
تكشف التحركات الأخيرة تردد البيت الأبيض في استئناف العمليات القتالية، وذلك تحت ضغوط دول الخليج العربي التي أصبحت في خط المواجهة الأول مع طهران. وتشير التقارير إلى أن الأوضاع المتردية في مخازن الذخيرة الأمريكية ساهمت في اتخاذ هذا الموقف المتراجع، رغم محاولات الإنكار المستمرة من أروقة الإدارة الأمريكية. ولم يعد “استعراض القوة” سوى صورة باهتة تعكس تراجع الهيبة وتآكل القدرة على الردع، مما دفع حلفاء تاريخيين مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا إلى إبرام اتفاق دفاعي مشترك.
تمثل الخطوات الدفاعية الجديدة لهؤلاء الحلفاء صفعة قوية للولايات المتحدة، إذ يُنظر إلى هذا التحالف الناشئ كإعلان غير مباشر عن فقدان الثقة في واشنطن كحامٍ استراتيجي لشبه الجزيرة العربية. ويأتي هذا التغير في موازين القوى في وقت انخرطت فيه الإدارة الأمريكية في مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو القضية الفلسطينية التي تحولت إلى معضلة معقدة بسبب الدور المحوري الذي تلعبه “إسرائيل” في توجيه دفة القرار الأمريكي.
يعرقل رئيس الوزراء الإسرائيلي خطط إعادة إعمار قطاع غزة التي أعلن عنها ترامب باحتفاء كبير في أكتوبر 2025، وذلك برفضه للاتفاق الذي يضمن نزع سلاح حركة حماس مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من 70% من مساحة القطاع. ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الأكثر استقبالًا في البيت الأبيض منذ تولي ترامب السلطة، إلا أنه يستغل نفوذه لتعطيل المساعي الأمريكية، مما يبرز حالة من العجز السياسي الفاضح رغم الاعتماد الإسرائيلي الكلي على الدعم العسكري الأمريكي.
تستمر واشنطن في توفير الحماية الدبلوماسية عبر استخدام الفيتو في الأمم المتحدة لمنع أي قرارات تدين الجانب الإسرائيلي، لكنها في المقابل بدأت تتظاهر باكتشاف التطرف في الضفة الغربية. وأجبرت الإدارة الأمريكية سفيرها لدى “إسرائيل”، مايك هاكابي، على وصف بعض المستوطنين بأنهم إرهابيون، وهي خطوة متأخرة جدًا لا تمحو سجل الدعم الأمريكي المطلق لمشاريع الاستيطان التي تهدف إلى التطهير العرقي للضفة الغربية المحتلة منذ 1967.
تتجلى إخفاقات ترامب الكبرى أيضًا في تراجعه عن قرارات الإدارة السابقة، حيث ألغى فور عودته إلى البيت الأبيض العقوبات التي كانت مفروضة على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف. وتُعد هذه الخطوة تراجعًا عن الإجراء الرمزي الوحيد الذي اتخذه الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن في هذا الملف. وتثبت الوقائع الميدانية أن الرئيس الأمريكي يمتلك ثباتًا في اتخاذ القرارات الخاطئة، مما يجعله شريكًا رئيسيًا في تفاقم الأزمات الإقليمية عوضًا عن حلها.
وتؤكد كافة المعطيات الحالية أن إدارة ترامب فشلت في اختبارات القيادة الكبرى، سواء في المواجهة مع طهران أو في إدارة الصراع مع “إسرائيل” حول مستقبل غزة والضفة الغربية. إن الإصرار على سياسات تتجاهل الواقع على الأرض، بالتزامن مع ضعف التنسيق مع الشركاء الإقليميين، يضع الولايات المتحدة في عزلة متزايدة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط بشكل قد يصعب تداركه في المستقبل المنظور.





