لوموند: صراع أبناء حفتر يهدد تماسك سلطته ويكشف هشاشة المنظومة الأمنية في شرق ليبيا

تواجه منظومة السلطة التي بناها المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا تحديات متزايدة، في ظل احتدام التنافس بين أبنائه على النفوذ وخلافته، بالتزامن مع اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي وتراجع نفوذ قواته في مناطق من جنوب البلاد.
وكشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن اغتيال اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، في انفجار استهدف سيارته بمدينة بنغازي في 10 أغسطس، أثار تساؤلات واسعة بشأن قدرة المنظومة الأمنية في شرق ليبيا على الحفاظ على الاستقرار الذي استندت إليه طوال السنوات الماضية.
وقُتل المنصوري إثر انفجار سيارته بعد خروجه من مسجد السيدة عائشة في بنغازي، رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي تشهدها المدينة، فيما أعلنت سلطات شرق ليبيا في اليوم التالي أن الهجوم نفذته «خلية إرهابية»، مشيرة إلى الاشتباه في وجود دوافع «جهادية»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
ويعد المنصوري أحد أبرز المسؤولين الأمنيين المقربين من حفتر، ولعب دورًا مهمًا في ترسيخ منظومة الحكم التي أقامها الأخير مع توسع نفوذه من درنة شرقًا إلى سبها جنوبًا، مرورًا بمنطقة الهلال النفطي.
ويكتسب اغتياله أهمية خاصة في ظل ندرة مثل هذه الهجمات داخل بنغازي، التي تخضع منذ سنوات لسيطرة أمنية مشددة، بعد أن تمكنت قوات حفتر خلال عامي 2016 و2017 من فرض سيطرتها على المدينة وإنهاء وجود عدد من الجماعات المسلحة والإسلامية التي ظهرت عقب ثورة 2011.
ويرى مراقبون أن الحادث، سواء ارتبط بعودة نشاط جماعات متشددة أو بصراع داخلي وتصفية حسابات، يكشف ثغرات داخل النظام الأمني الذي أسسه حفتر، ويضعف صورة قدرته على فرض السيطرة الكاملة على المناطق الخاضعة لنفوذه.
صراع الخلافة داخل عائلة حفتر
وتأتي التطورات الأمنية في وقت يعمل فيه خليفة حفتر، البالغ من العمر 82 عامًا، على ترتيب مسألة خلافته داخل المنظومة العسكرية والسياسية في شرق ليبيا، وسط تنافس واضح بين أبنائه الخمسة على مواقع النفوذ.
وبحسب التقرير، يتجه حفتر إلى منح الدور الأبرز لابنه صدام حفتر، المولود عام 1991، والذي بدأت عملية تعزيز موقعه رسميًا منذ تعيينه عام 2025 نائبًا للقائد العام للجيش الوطني الليبي.
غير أن صعود صدام أدى إلى توترات داخل العائلة، خصوصًا مع شقيقه خالد حفتر، الذي يتولى منصب رئيس أركان الجيش الوطني الليبي، وهو موقع أدنى في التسلسل القيادي.
وفي الوقت نفسه، يسعى بلقاسم حفتر إلى تعزيز موقعه من خلال إدارته لصندوق إعادة إعمار ليبيا، الذي أُطلق عقب كارثة العاصفة «دانيال»، وأصبح قناة رئيسية للمشروعات والاستثمارات الأجنبية في شرق البلاد.
أما صادق حفتر، الذي ينشط في الوساطات القبلية، وعقبة حفتر، المهتم بمجالات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي، فيشغلان أدوارًا أقل نفوذًا، لكنهما يسعيان بدورهما إلى الحفاظ على مصالحهما داخل منظومة العائلة.
وتشير الصحيفة إلى أن التنافس بين أبناء حفتر يتزامن مع تحركات دبلوماسية مرتبطة بمبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، بشأن مستقبل التسوية السياسية في ليبيا.
وتتداول الأوساط السياسية الليبية، وفق التقرير، سيناريو لم يُعلن رسميًا يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة ليبيا في حال التوصل إلى صيغة لتوحيد البلاد، مقابل تولي شخصية من عائلة الدبيبة رئاسة الحكومة.
ولا يزال هذا السيناريو نظريًا وغير محسوم، إلا أن تداوله أسهم في زيادة حدة التنافس السياسي، بما في ذلك داخل عائلة حفتر نفسها.
مخاوف على تماسك منظومة شرق ليبيا
وحذر أنس القماطي، مدير معهد الصادق، من مخاطر انتقال السلطة داخل عائلة حفتر، معتبرًا أن النظام الذي تأسس في شرق ليبيا «بُني لرجل واحد وليس لخمسة»، في إشارة إلى احتمال تراجع تماسك المنظومة مع تصاعد المنافسة بين الأبناء.
كما يثير مستوى الخبرة الأمنية والعسكرية لأبناء حفتر تساؤلات بشأن قدرتهم على إدارة شبكة التحالفات العسكرية والقبلية التي حافظ والدهم من خلالها على نفوذه خلال السنوات الماضية.
ويرى أسامة الصيد، مدير المركز الليبي للبحوث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، أن أبناء حفتر يميلون إلى التركيز بصورة أكبر على الملفات الاقتصادية والمالية مقارنة بالقضايا العسكرية والأمنية.
انتكاسات في جنوب ليبيا
وتتزامن ترتيبات الخلافة داخل عائلة حفتر مع صعوبات تواجه قواته في منطقة فزان جنوب ليبيا، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بسبب حدودها مع الجزائر والنيجر وتشاد والسودان، فضلًا عن موقعها على طرق التهريب والهجرة والتحركات العسكرية.
وكان ترسيخ نفوذ حفتر في الجنوب عنصرًا أساسيًا في تقديمه باعتباره قادرًا على فرض الاستقرار والسيطرة على المناطق الصحراوية الواسعة، كما منح قواته موقعًا استراتيجيًا يمكن استخدامه للتحرك باتجاه طرابلس.
لكن هذه السيطرة بدأت تواجه تحديات متزايدة منذ عام 2025، عندما أُبعد حسن الزادمة، أحد قيادات قبيلة أولاد سليمان وقائد اللواء 128، على خلفية خلافات مع صدام حفتر.
وكان الزادمة يسيطر على مناطق مهمة قرب الحدود مع تشاد والسودان، قبل أن يقترب لاحقًا من حكومة طرابلس، التي يشغل فيها شقيقه سالم الزادمة منصب نائب رئيس الوزراء.
كما واجهت قوات حفتر انشقاقًا آخر تمثل في محمد وردوقو، وهو قائد مسلح من التبو كان يعمل ضمن منظومة تأمين الحدود مع تشاد والنيجر لصالح حفتر.
وأسس وردوقو مطلع عام 2026 مجموعة تحمل اسم «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وبدأت في استهداف مواقع تابعة لقوات حفتر، ما أضاف تحديًا جديدًا لنفوذ الجيش الوطني الليبي في الجنوب.
وتكشف هذه التطورات، وفق التقرير، هشاشة جانب من شبكة النفوذ التي أقامها حفتر في فزان، والتي اعتمدت بدرجة كبيرة على التحالفات مع القبائل والقوى المحلية مقابل المال والمصالح والوعود السياسية.
ومع تقدم حفتر في العمر وبدء انتقال مراكز القوة تدريجيًا إلى أبنائه، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الجيل الجديد من العائلة على الحفاظ على تلك التحالفات، ومنع الصراع الداخلي على الخلافة من التحول إلى عامل يهدد استقرار منظومة الحكم في شرق ليبيا.







