
أعتقد أن من أهم ما كُتب في هذه الأيام، وما يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا، ذلك المقال اللافت الذي نشره أستاذ الإعلام الدكتور أيمن منصور ندا، تحت عنوان: «ماذا ينتظر مصر في نوفمبر القادم؟ عشر دعوات للعشاء.. وسؤال لا أملك إجابته».
قرأت المقال أكثر من مرة. لا بحثًا عن «سر» أخفاه الكاتب بين السطور، ولا عن نبوءة سياسية نستعد لاختبارها بعد أسابيع، بل لأنني وجدت فيه شيئًا أهم من الخبر، وأبقى من النبوءة: جرس إنذار هادئًا، يدق قبل أن ترتفع الأصوات.
وأعرف أيمن منصور، وأعرف أن شجاعة السؤال ليست غريبة عليه، مثلما أعرف أن حرصه على الفصل بين المعلومة والانطباع، وبين ما يعرفه وما يستشعره، يضاعف قيمة ما كتب، ولا ينتقص منها.
حكى الرجل أنه تلقى، بين يونيو وأوائل أغسطس، عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية كبرى.
لم يقل إن أحدًا أطلعه على سر.
ولم يزعم أن سفيرًا همس في أذنه بموعد حدث قادم.
بل سخر بنفسه من تحويل «طبق السلمون المدخن» إلى وثيقة مخابراتية!
لكن ما استوقفه، واستوقفني معه، كان نوعية الأسئلة.
كيف يفكر المصريون؟
كيف ترى النخب الوضع الاقتصادي والسياسي؟
ما حجم الاحتقان؟
وإلى أي مدى يستطيع المجتمع أن يتحمل المزيد؟
هنا، في تقديري، يبدأ المقال الحقيقي.
وهنا أيضًا يبدأ القلق الحقيقي.
أكثر جملة توقفت أمامها لم تكن: ماذا يعرف السفراء؟
بل السؤال الأذكى الذي انتهى إليه الكاتب:
ماذا يحاول السفراء أن يعرفوا؟
والفارق كبير.
الأولى قد تفتح أبواب الخيال ونظريات المؤامرة.
أما الثانية فتفتح باب السياسة.
فالسفارات ليست أبراجًا للتنجيم، والسفراء لا يملكون خرائط الغد، لكن العواصم حين تشعر بأن أرضًا ما تتحرك تحت أقدام السياسة، تبدأ في قياس المسافات، ورصد المزاج، وتحديث خرائط القوى والبدائل.
لا لأنها بالضرورة تصنع الحدث.
بل لأنها لا تريد أن يفاجئها.
لهذا أظن أن الأهم من سؤال ماذا سيحدث في نوفمبر؟ هو سؤال آخر:
ماذا ينبغي أن يحدث قبل نوفمبر؟
بل أذهب أبعد.
لماذا أصبح نوفمبر أصلًا سؤالًا مفتوحًا في بلد بحجم مصر؟
وكيف وصلنا إلى لحظة صار فيها السؤال عن «قدرة المصريين على الاحتمال» سؤالًا تتداوله دوائر خارجية، بينما يبدو غائبًا أو مؤجلًا في كثير من دوائر القرار داخل الوطن؟
هذه عندي أخطر نقطة في المقال كله.
للدول احتياطي من النقد الأجنبي.
وللشعوب أيضًا احتياطي من الصبر.
الأول تحسبه البنوك المركزية كل صباح.
أما الثاني، فلا توجد شاشة تخبرك متى اقترب من النفاد.
قد يصمت الناس طويلًا.
وقد يتكيفون مع ما ظن الجميع أنهم لن يحتملوه.
لكن الصمت ليس دائمًا رضا.
والتكيف ليس تفويضًا مفتوحًا.
والقدرة على الاحتمال ليست موردًا طبيعيًا لا ينضب.
وهنا تحديدًا يصبح الاقتصاد سياسة.
أصاب أيمن منصور حين أنزل لغة صندوق النقد من مكاتب الخبراء إلى بيوت المصريين.
فعبارة «إصلاح أسعار الطاقة» قد تبدو أنيقة في تقرير اقتصادي، لكنها تصل إلى بيت المواطن في صورة فاتورة كهرباء أعلى.
و«زيادة الإيرادات» قد تكون سطرًا في جدول، لكنها قد تعني يدًا أخرى تمتد إلى جيب أرهقته الأيدي.
و«مرونة الأسعار» ليست مفهومًا نظريًا لمن يقف أمام البقال.
إنها ثمن الطعام.
والدواء.
والمواصلات.
والسكن.
والتعليم.
أخطر الأزمات الاقتصادية ليست تلك التي تنقص فيها الأموال فقط، بل التي ينقص معها الإحساس بالعدالة.
فالناس قد تتحمل الفقر إذا شعرت أن الجميع يدفع الثمن.
لكنها تغضب حين ترى الفاتورة موزعة بغير عدل.
وقد تتحمل قرارًا صعبًا إذا شاركت في صنعه أو فهمت ضرورته.
لكنها ترفض أن يُطلب منها كل مرة أن تدفع، وتصمت، ثم تدفع مرة أخرى.
وهكذا تتحول أزمة الأسعار إلى أزمة عدالة.
وأزمة العدالة إلى أزمة ثقة.
وأزمة الثقة، إذا أُغلقت أمامها أبواب السياسة، قد تصبح أزمة نظام كامل في إدارة الدولة والمجتمع.
وهنا أصل إلى السيناريو السياسي الذي طرحه أيمن منصور.
أتفق معه في أن الضغط الاقتصادي قد يدفع إلى إعادة ضبط للمجال العام.
إفراجات.
مساحة أوسع للأحزاب.
بعض الهواء للإعلام.
ربما وجوه جديدة.
لكنني أخشى أن نكرر الخطأ القديم نفسه، فننظر إلى السياسة باعتبارها صمامًا للتنفيس لا حقًا للمواطن.
مصر لا تحتاج إلى نافذة تفتح حين ترتفع الحرارة، ثم تغلق عندما يبرد الشارع.
ولا تحتاج إلى جرعات حرية محسوبة بملعقة السلطة.
ولا إلى حوار يطلب من المختلفين الكلام، بشرط ألا يختلفوا كثيرًا.
مصر تحتاج إلى سياسة حقيقية.
نحتاج إلى برلمان يراقب الحكومة، لا يصفق لها.
وإعلام يكشف الخطأ قبل أن يتحول إلى كارثة.
وأحزاب تستطيع أن تنافس، لا أن تكمل المشهد.
ومعارضة تستطيع أن تقول «لا» دون أن تتحول الكلمة إلى ملف أمني.
وسجناء رأي يعودون إلى بيوتهم لأن مكان الرأي هو المجال العام، لا الزنازين.
فالحرية ليست مكافأة تمنحها السلطة للمجتمع في سنوات الرخاء.
الحرية واحدة من أهم وسائل إنقاذ الدول في سنوات الأزمات.
وأقول للدكتور أيمن منصور:
ربما تأتي نهاية أكتوبر ويمر نوفمبر، ولا يقع شيء استثنائي.
وربما تكون، كما تمنيت في مقالك، قد دفعت ثمن كل هذا القلق عشر وجبات عشاء طيبة.
وأتمنى معك ذلك.
لكن حتى إذا مر نوفمبر هادئًا، سيظل السؤال قائمًا.
فالخطر لا يصبح وهمًا لأن الانفجار لم يقع.
والمرض لا يختفي لأن الحرارة انخفضت ليلة.
والأزمات لا تقاس فقط بتاريخ انفجارها، بل بالأسباب التي تراكمت حتى جعلت الجميع يتساءلون متى تنفجر.
لهذا، لست مشغولًا كثيرًا بما سيحدث في نوفمبر.
أنا مشغول بما يجب أن يحدث قبل نوفمبر.
أن نبدأ إصلاحًا سياسيًا حقيقيًا.
أن نعيد للناس حقهم في الاختيار والمشاركة والمساءلة.
أن نعيد توزيع أعباء الأزمة بعدالة.
أن نتوقف عن اختبار قدرة المصريين على الاحتمال، ونبدأ في اكتشاف قدرتهم على المشاركة.
فالأوطان لا تُدار بقياس مقدار الألم الذي يستطيع الناس تحمله.
بل بمقدار الأمل الذي يستطيع النظام السياسي أن يصنعه معهم.
من أيمن نور إلى أيمن منصور…
شكرًا لأنك لم تقل لنا ماذا سيحدث في نوفمبر.
وشكرًا أكثر لأنك جعلتنا نسأل:
ماذا ينبغي أن يحدث قبل أن يأتي نوفمبر؟
وأظن أن الإجابة، مهما اختلفنا في تفاصيلها، تبدأ من كلمة واحدة:
الإصلاح.
فالإصلاح قبل الأزمة حكمة.
والإصلاح أثناءها ضرورة.
أما الإصلاح بعد فوات الأوان…
فقد لا يجد وطنًا كما كان، ولا وقتًا كما كان، ولا فرصة أخرى كما كانت.







