عماد الدائمي يكتب: في تونس، يُطرح اليوم سؤال «اليوم التالي»

عماد الدائمي – نائب تونسي سابق ومرشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2024
تمرّ تونس بمرحلة دقيقة. فالسلطة تعطي صورة نظام يواصل الاستمرار دون أن ينجح في تجديد نفسه، والمعارضة ما تزال مشتتة، والاقتصاد يفقد زخمه. وفي الأثناء، يفرض سؤال نفسه أكثر فأكثر: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لم يعد التغيير في حد ذاته المصدر الرئيسي للقلق. فالغموض الذي قد يرافقه يثير مخاوف أكبر. وما تزال تجربة المرحلة التي بدأت سنة 2011 حاضرة بقوة في الأذهان. فقد حققت مكاسب مهمة، لكنها كشفت أيضاً هشاشة الانتقال وكلفة الانقسامات الممتدة. ويغذي هذا الخوف الاعتقاد بأن تغييراً غير مُعدّ له جيداً قد يكون أكثر خطورة من استمرار وضع قائم بات هشاً. وهو ما يساهم في إطالة عمره.
لكن تونس سنة 2026 لا تنظر إلى المستقبل بالعين نفسها التي نظرت بها إليه تونس سنة 2011. فقد غيّرت الخبرة المتراكمة منذ الثورة نظرة التونسيين إلى الدولة وإلى شروط التغيير. وبدأ جيل جديد يدخل تدريجياً إلى الحياة العامة وهو أكثر تطلباً في ما يتعلق بقدرة الدولة على الإنجاز والفاعلية. كما أن عدداً من الكفاءات التونسية التي بقيت طويلاً على هامش السياسة تبدي استعداداً للمشاركة متى توفرت شروط تجدد حقيقي.
لا تحتاج تونس إلى اتفاق شامل حول مستقبلها. فالاختلاف أمر طبيعي، والتنافس بين المشاريع السياسية مشروع. السؤال الحقيقي هو تحديد ما ينبغي أن يبقى خارج الصراع السياسي.
استمرارية الدولة تمثل أول هذه الضمانات. يجب أن تستمر المرافق العامة في أداء وظائفها، وأن تظل الإدارة قادرة على القيام بمهامها. كما أن وحدة المؤسسات ووضوح سلسلة اتخاذ القرار أمران أساسيان لتجنب تنازع الصلاحيات وتعدد مصادر الشرعية.
ويجب كذلك حماية دولة القانون، بما في ذلك في لحظات التوتر. فلا يمكن أن تكون المرحلة الانتقالية مبرراً لإضعاف الضمانات القانونية أو الحقوق والحريات الأساسية. وينبغي أن يعمل القضاء باستقلال كامل، وأن تحافظ الإدارة على حيادها، وأن تبقى المؤسسات المكلفة بأمن البلاد بعيدة عن المواجهة السياسية.
كما تجعل فترات الانتقال القرار الوطني أكثر عرضة للضغوط الخارجية. لذلك يصبح من الضروري حماية استقلاله، وضمان ألا تتحول موارد الدولة إلى أداة في المنافسة السياسية. وينطبق الأمر نفسه على الانتخابات. فعلى من يشارك فيها أن يقبل احتمال الفوز كما يقبل احتمال الخسارة، وأن يحتكم عند النزاع إلى طرق الطعن التي يحددها القانون. ولا تمنح أي نتيجة انتخابية المنتصر حق تغيير قواعد اللعبة بمفرده أو الانتقاص من حقوق خصومه.
ويمكن أن يشكل التزام علني بهذه القواعد إطاراً مشتركاً قبل أن تتضح موازين القوى السياسية المقبلة. وهو إطار لا يحدد مسبقاً برنامجاً للحكم ولا يرتب لتقاسم السلطة.
ويحتاج الحوار أيضاً إلى مناخ يسمح له بالاستئناف. ويمكن لإطلاق سراح سجناء الرأي والأشخاص الملاحقين لأسباب سياسية أن يشكل إشارة مهمة تساعد على استعادة الثقة. أما القضايا المرتبطة بإرث المرحلة الحالية، فيمكن تناولها لاحقاً داخل النقاش الديمقراطي ووفق الآليات التي يحددها القانون.
لقد عاشت إسبانيا والبرتغال انتقالات تختلف كثيراً عن التجربة التونسية. ومع ذلك، تبقى هناك خلاصة جديرة بالتأمل: أكثر التحولات صلابة هي غالباً تلك التي تُحدَّد قواعدها الأساسية قبل أن يُعرف من سيكون في موقع المنتصر ومن سيكون في موقع الخاسر.
لا تزال تونس تملك إدارة ذات خبرة وكفاءات معترفاً بها. لكن الزمن أصبح عامل استنزاف. تتراكم الصعوبات الاقتصادية، وتتراجع الثقة، فيما تجد الهياكل السياسية التقليدية صعوبة متزايدة في استقطاب الأجيال الجديدة.
سيأتي التغيير في نهاية المطاف. والسؤال المطروح اليوم يتعلق بالشروط التي سيحدث فيها. إذا جرى الإعداد له جيداً، يمكن أن يفتح أفقاً. وإذا فُرض تحت ضغط الأحداث، فإنه قد يزيد الأزمة تعقيداً.
لقد أصبحت كلفة الانتظار اليوم أكبر من كلفة الاستعداد.







