
في لحظات معينة، لا تكون أهمية ما يُكتب في قدرته على التنبؤ بما سيحدث، وإنما في قدرته على طرح الأسئلة التي يتجنب كثيرون الاقتراب منها، ومن هنا توقفت أمام المقال الذي كتبه أستاذ الإعلام الدكتور أيمن ندا، وما أثاره من تساؤلات حول لقاءاته بعدد من السفراء، والأسئلة التي دارت حول الاقتصاد المصري، وحالة المجتمع، ومدى قدرة المصريين على تحمل المزيد من الضغوط.
لا أتعامل مع ما طرحه باعتباره نبوءة سياسية تنتظر شهر نوفمبر، لكنني أرى أن أهم ما في المقال هو السؤال الذي يقف خلف تلك اللقاءات: ماذا يريد السفراء أن يعرفوا عن مصر؟
فالدول لا تراقب الأوضاع في الدول الأخرى بدافع الفضول، وإنما تحاول فهم اتجاهات المشهد وتقدير المخاطر والفرص، حتى لا تفاجأ بما قد يحدث.
وهنا يبدأ القلق الحقيقي.
إلى متى يستطيع المصريون التحمل؟
أصبح المواطن المصري يواجه أعباء متزايدة، بينما تتراجع قدرته على مواجهتها. وما يبدو في التقارير الحكومية مجرد أرقام وقرارات اقتصادية، يتحول في حياة المواطن إلى فاتورة كهرباء أعلى، وأسعار غذاء ودواء، وتكلفة مواصلات وسكن وتعليم.
المشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في شعور المواطن بأن الأعباء لا توزع دائمًا بعدالة.
قد يتحمل المواطن قرارًا صعبًا إذا اقتنع بضرورته، ورأى أن الجميع يشارك في تحمل تكلفته، وشعر بأن هناك طريقًا واضحًا للخروج من الأزمة.
لكن عندما يشعر أن المطلوب منه دائمًا أن يدفع ويتحمل ويصمت، فإن الأزمة الاقتصادية تتحول إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة إذا طال أمدها تصبح أزمة سياسية واجتماعية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم يستطيع المصريون أن يتحملوا؟
بل: لماذا نضعهم أصلًا أمام اختبار جديد للتحمل؟
مصر تحتاج إلى إصلاح حقيقي
قد يكون توسيع المجال العام وإعطاء مساحة أكبر للأحزاب والإعلام والمعارضة أحد المخارج الممكنة، لكنني لا أرى أن السياسة يجب أن تكون مجرد صمام لتنفيس الاحتقان عند اشتداد الأزمات.
مصر تحتاج إلى حياة سياسية حقيقية ومستقرة.
نحتاج إلى برلمان يراقب الحكومة بجدية، وإعلام يستطيع أن يكشف الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات، وأحزاب قادرة على المنافسة وطرح البدائل، ومعارضة وطنية تستطيع أن تقول «لا» دون أن تتحول هذه الكلمة إلى مشكلة.
فالدولة القوية ليست التي لا تسمع إلا صوتها، وإنما التي تستطيع أن تسمع النقد وتستفيد منه.
السؤال ليس ماذا سيحدث في نوفمبر
قد يأتي نوفمبر ويمر دون أي أحداث استثنائية، وقد تكون كل هذه المخاوف مجرد قراءات واحتياطات من جانب دبلوماسيين يريدون فهم المشهد المصري.
وأتمنى بالفعل أن يمر نوفمبر هادئًا.
لكن هدوء شهر لا يعني بالضرورة أن أسباب القلق قد انتهت.
لذلك لا يشغلني كثيرًا السؤال: ماذا سيحدث في نوفمبر؟
ما يشغلني هو: ماذا يجب أن يحدث قبل نوفمبر؟
يجب أن نبدأ إصلاحًا سياسيًا حقيقيًا، وأن نعيد للمواطن حقه في المشاركة والمساءلة، وأن نعيد توزيع أعباء الأزمة بصورة أكثر عدالة، وأن ندرك أن المعارضة الوطنية ليست خصمًا للدولة، وإنما يمكن أن تكون إحدى أدوات حمايتها من أخطائها.
لقد تحمل المصريون كثيرًا، لكن لا ينبغي أن تتحول قدرتهم على التحمل إلى سياسة دائمة.
الأوطان لا تُدار بقياس مقدار الألم الذي يستطيع الناس تحمله، وإنما بقدرتها على صناعة الأمل وإشراك المواطنين في صناعة المستقبل.
ربما لا يكون نوفمبر هو القضية.
القضية الحقيقية هي: هل نبدأ الإصلاح بإرادتنا، أم ننتظر حتى تفرضه علينا الظروف؟
الإصلاح قبل الأزمة حكمة، وأثناءها ضرورة، وبعد فوات الأوان قد يصبح إنقاذًا لما كان يمكن إصلاحه بسهولة من البداية.





