ملفات وتقارير

مطار أبو الظهور العسكري.. لماذا تحول هذا المطار إلى نقطة اشتباك بين تركيا وإسرائيل في سوريا؟



كتبت: صوفيا خوجاباشي



تحول مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سوريا من قاعدة جوية متوقفة عن العمل منذ سنوات الحرب إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الصراع على شكل سوريا الجديدة، بعدما استهدفته إسرائيل بثماني غارات جوية في 18 أغسطس/آب 2026، أصابت المدرج ومرافق التخزين وألحقت أضرارًا مادية من دون تسجيل قتلى. وجاء القصف بعد ساعات فقط من مغادرة وفد تركي كان قد زار القاعدة لمتابعة أعمال إعادة تأهيلها، وفق مسؤولين سوريين تحدثوا لوكالة أسوشيتدبرس.
 
ولا تبدو أهمية العملية مرتبطة بالمطار نفسه في الوقت الراهن، بقدر ارتباطها بما يمكن أن يمثله مستقبلًا. فقد أعلنت إسرائيل أن الضربة استهدفت منع انتشار عسكري تركي محتمل في القاعدة، وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن دمشق كانت على وشك الإخلال بما وصفه بـ«الوضع الأمني القائم» عبر السماح بوجود قوات تركية في أبو الظهور. تركيا رفضت الرواية الإسرائيلية، ووصفت مبررات تل أبيب بأنها غير مقبولة، مؤكدة استمرار تعاونها مع الحكومة السورية في إطار دعم استقرار البلاد وسيادتها.
 
لماذا أبو الظهور؟

يقع المطار في محافظة إدلب بالقرب من منطقة التقاء أرياف إدلب وحلب وحماة، وعلى مسافة تقارب 70 كيلومترًا من الحدود التركية، وهو ما يمنحه موقعًا مختلفًا عن القواعد التي تتركز حول دمشق أو جنوب سوريا. وقد استخدمه الجيش السوري سابقًا لتشغيل طائرات من طراز MiG-21 وMiG-23 وطائرات التدريب والقتال L-39، قبل أن يخرج من الخدمة بصورة فعلية خلال سنوات الحرب.
 
وتعود الأهمية التاريخية للمطار أيضًا إلى موقعه على عقدة طرق تربط شمال سوريا بوسطها. ففي سبتمبر/أيلول 2015 سقطت القاعدة بيد فصائل معارضة وجبهة النصرة بعد حصار طويل، في خسارة أنهت تقريبًا الوجود العسكري الحكومي المباشر داخل إدلب آنذاك. ثم استعادت قوات النظام السابق القاعدة في يناير/كانون الثاني 2018 خلال هجوم واسع بدعم روسي.
 
لكن المطار لم يعد منذ ذلك الحين إلى العمل كقاعدة جوية رئيسية، وبقي جزء كبير من بنيته متضررًا أو غير مستخدم. ولهذا اكتسبت أعمال إعادة التأهيل الجارية خلال 2026 دلالة استراتيجية تتجاوز إصلاح منشأة قديمة: إعادة تشغيل أبو الظهور تعني استعادة قاعدة جوية في قلب الشمال السوري وفي منطقة قريبة من تركيا، يمكن أن تتحول إلى مركز للتدريب أو الانتشار أو الدفاع الجوي أو دعم إعادة بناء القوات السورية. وكانت تقارير صحفية قد أشارت بالفعل إلى مشاركة تركية في تأهيل المنشأة.
 
لماذا تخشى إسرائيل القاعدة؟

المفارقة الأساسية أن أبو الظهور لا يقع قرب الحدود الإسرائيلية، بل في شمال غرب سوريا. ولذلك فإن استهدافه لا يمكن تفسيره فقط بمنطق حماية الحدود المباشرة، أو في إطار “الإجراءات الأمنية” التي دأبت إسرائيل على اتخاذها.
 
المشكلة بالنسبة إلى تل أبيب هي من سيستخدم القاعدة وما القدرات التي يمكن أن تنشر فيها.
 
فمنذ سقوط بشار الأسد أواخر 2024، أصبحت تركيا أحد أهم الداعمين للحكومة السورية الجديدة، ووقعت أنقرة ودمشق اتفاقًا للتعاون العسكري يشمل التدريب والاستشارات وتوفير معدات ودعم لإعادة بناء الجيش السوري.
 
وبالنسبة إلى إسرائيل، يمكن لانتشار قوات تركية أو منظومات رادار  ودفاع جوي داخل قاعدة سورية متقدمة أن يفرض قيودًا جديدة على حرية تحرك سلاح الجو الإسرائيلي فوق سوريا. ولهذا أصبح التنافس يتجاوز مسألة الوجود التركي المباشر إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى قدرة سوريا على إعادة بناء جيشها ومجالها الجوي تحت المظلة التركية. وتشير  فايننشال تايمز إلى أن أنقرة تشارك أيضًا في جهود إعادة بناء القدرات الدفاعية السورية، بما في ذلك أنظمة رادار ودفاع جوي، وهو ما يزيد حساسية الملف بالنسبة إلى إسرائيل.
 
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قصف أبو الظهور باعتباره محاولة إسرائيلية لمنع ظهور بنية عسكرية جديدة قبل اكتمالها، وليس ردًا على تهديد قائم من القاعدة في لحظة الهجوم.
 
أول حضور تركي مؤكد في القاعدة

تزداد أهمية الحادثة لأن زيارة الوفد التركي قبل الغارة شكلت أول تأكيد علني لوجود تركي في أبو الظهور. وقال مسؤولان سوريان لأسوشيتد برس إن الوفد زار الموقع لمراجعة أعمال إعادة التأهيل، وغادر قبل ساعات من القصف الإسرائيلي.
وهذا التوقيت رفع مستوى الخطورة بصورة كبيرة. فالمشكلة لم تعد مجرد قصف إسرائيلي لموقع عسكري سوري، وإنما احتمال إصابة عسكريين أو مسؤولين أتراك في عملية إسرائيلية.
 
سوريا بين مشروعين أمنيين

يختصر مطار أبو الظهور خلافًا أوسع حول مستقبل سوريا.
 
أنقرة تريد حكومة مركزية قادرة على إعادة بناء الجيش واستعادة السيطرة على الأراضي، وترى أن دعم المؤسسات العسكرية السورية يخدم أمن تركيا أيضًا عبر تقليص نشاط التنظيمات المسلحة ومنع ظهور فراغات أمنية جديدة.  

أما إسرائيل فتنظر إلى إعادة بناء القوة العسكرية السورية من زاوية مختلفة؛ إذ حافظت منذ سقوط النظام السابق على سياسة تستهدف تعطيل القدرات العسكرية التي يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى تهديد، ووسعت عملياتها داخل سوريا بالتزامن مع وجود عسكري إسرائيلي في الجنوب.

وبذلك تصبح المشكلة البنيوية واضحة: تركيا ترى أن استقرار سوريا يحتاج إلى جيش سوري أقوى، بينما ترى إسرائيل أن أمنها يتطلب إبقاء قيود صارمة على القدرات العسكرية التي تستطيع دمشق بناءها، خصوصًا إذا كانت مدعومة من أنقرة.

ومن هنا تكتسب أبو الظهور أهميتها؛ فالقاعدة تمثل نموذجًا مصغرًا لهذا الصراع. إصلاحها بالنسبة إلى دمشق وأنقرة يعني إعادة جزء من البنية العسكرية للدولة، بينما تنظر تل أبيب إلى إمكانية استخدامها من تركيا باعتبارها تغيرًا في ميزان القوى يجب منعه قبل أن يصبح واقعًا.

رد الفعل الرسمي السوري

وفي تعليقه على الضربة الإسرائيلية، قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني إن إسرائيل لم يكن لديها أي مبرر لضرب قاعدة أبو الظهور الجوية، مشيرًا إلى أن سوريا كانت قد أبلغت إسرائيل بالفعل بأنه لم يكن هناك أي قاعدة تركية مخطط لها أو أي انتشار تركي دائم هناك، إلا أنها شنت الهجوم. وقال في تصريحات لموقع أكسيوس: “لا نية لإنشاء قاعدة تركية أو إقامة وجود عسكري تركي دائم في مطار أبو الظهور“.

وكانت إسرائيل قد أفادت بأن الغارة كانت تهدف إلى منع تعزيز عسكري تركي. ونفى الشيباني ذلك، قائلاً إن القاعدة كانت في الغالب خالية ويجري إعادة بنائها لسلاح الجو السوري. وأقر بأن ضباطًا أتراكًا كانوا قد زاروا المكان، ولكن كجزء من تعاون أوسع في مجال التدريب.

وعلى الرغم من الغارة، تظل سوريا منفتحة على الحوار مع إسرائيل، حيث قال الشيباني: “لا يمكن أن تكون مهمة تخفيف التصعيد من مسؤولية طرف واحد فقط”، مضيفًا أن سوريا “لا تغلق الباب أمام المفاوضات”.
كما قال إن اتفاقية أمنية سابقة توسطت فيها الولايات المتحدة قد تم الاتفاق عليها “على الورق” قبل أن “تتراجع إسرائيل عن التزاماتها”.

من قاعدة مهجورة إلى خط أحمر جديد

حتى قبل أسابيع قليلة، كان أبو الظهور قاعدة متضررة خرجت من الخدمة خلال الحرب السورية. أما اليوم فقد أصبحت اختبارًا لحدود النفوذ التركي والإسرائيلي داخل سوريا.

فالضربة الإسرائيلية تحمل رسالة واضحة بأن تل أبيب مستعدة للوصول عسكريًا إلى شمال سوريا لمنع انتشار تعتبره مهددًا، وليس فقط للعمل في الجنوب أو ضد بقايا النفوذ الإيراني. وفي المقابل، استمرار تركيا في دعم إعادة بناء الجيش السوري يعني أن نقاط الاحتكاك المشابهة يمكن أن تتكرر في قواعد أخرى.

وتفسر هذه المعادلة إصرار الولايات المتحدة على بناء آلية لمنع الاشتباك؛ إذ إن أي غارة إسرائيلية مستقبلية على منشأة يوجد فيها عسكريون أتراك قد تضع أنقرة أمام معادلة مختلفة تمامًا عن إدانة القصف دبلوماسيًا.

ولهذا فإن أهمية مطار أبو الظهور لم تعد في عدد الطائرات التي يستطيع تشغيلها، وإنما في السؤال الذي أصبح يمثله: من يمتلك حق تحديد البنية العسكرية لسوريا الجديدة؟ دمشق وحلفاؤها، أم إسرائيل التي تحاول فرض خطوط حمراء على إعادة بناء القوة السورية؟

وفي ظل تصاعد التنافس التركي–الإسرائيلي، قد يصبح المطار نقطة البداية لنزاع أوسع حول القواعد والمطارات ومنظومات الدفاع الجوي في سوريا، وهي ملفات ستحدد ليس فقط مستقبل الجيش السوري، وإنما ميزان القوى بين تركيا وإسرائيل في شرق المتوسط والمشرق خلال السنوات المقبلة.  

المصدر: المعهد المصري للدراسات

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى