تونسملفات وتقارير

“الشعب يريد شرعية من جديد”.. مظاهرات غاضبة في تونس ضد قيس سعيد

تجمهر المئات من النشطاء والمعارضين السياسيين في قلب العاصمة تونس وتحديداً في شارع الحبيب بورقيبة للتعبير عن رفضهم القاطع لسياسات الرئيس قيس سعيد، وسط أجواء من الاحتقان الشعبي المتصاعد. تصاعدت حدة احتجاجات تونسية ضد قيس سعيد للمطالبة بالرحيل الفوري للنظام الحالي واستعادة المسار الديمقراطي الذي يرى المحتجون أنه تعطل بشكل كامل، خاصة مع الانتشار الأمني المكثف الذي طوق مكان التظاهر في مشهد يعكس حالة التوتر التي تعيشها البلاد.

احتجاجات تونسية ضد قيس سعيد تزلزل شارع الحبيب بورقيبة للمطالبة بالرحيل

رفع المشاركون في المسيرة شعارات تندد بتركيز السلطات في يد شخص واحد، محذرين من الانزلاق نحو حكم استبدادي يقوض مكتسبات الثورة، وطالبوا بالإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين من شخصيات حزبية وصحفيين ونشطاء. اتسعت دائرة المطالب لتشمل الأزمات المعيشية الخانقة، حيث انتقد المتظاهرون الانقطاعات المتكررة لمياه الشرب والتيار الكهربائي، واصفين الوضع العام بالظلام والعطش الذي يلف المدن، وسط ارتفاع جنوني في كلفة المعيشة ونقص حاد في السلع التموينية والأدوية.

أكد المحامي والنائب السابق سمير بن عمر أن كرامة الشعب التونسي باتت على المحك نتيجة غياب الخدمات الأساسية والحريات العامة، مشيراً إلى أن الجمع بين التضييق السياسي والفشل في توفير الاحتياجات الضرورية خلق حالة من الاحتقان الشعبي غير المسبوقة. انتقد الناشط السياسي وسام الصغير الوضع القائم معتبراً أن البلاد تشهد انهياراً شاملاً على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية، داعياً إلى ضرورة وقف العبث والظلم، ومؤكداً أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى عواقب وخيمة على استقرار البلاد.

يرى عز الدين الحزقي، أحد الوجوه البارزة في المعارضة، أن خروج الناس إلى الشارع هو رد فعل طبيعي على الوضع الكارثي الذي وصلت إليه البلاد، معتبراً أن الانتفاضة تعكس وعياً شعبياً بضرورة التغيير لمواجهة الفشل في إدارة الملفات الحيوية. أوضح الباحث السياسي طارق الكحلاوي أن تونس تعاني من أزمة مزدوجة تتمثل في سوء الحوكمة السياسية التسلطية وغياب النجاعة الاقتصادية، مشيراً إلى أن النقص الحاد في الوقود وقوارير الغاز ولد غضباً عارماً يتجاوز النخب السياسية ليصل إلى العمق الاجتماعي.

التداعيات السياسية والمسار الديمقراطي

أعادت هذه التحركات إلى الأذهان الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021، حين قرر عزل الحكومة وحل البرلمان المنتخب وبدأ الحكم بالمراسيم الرئاسية التي غيرت شكل النظام السياسي بشكل جذري. واجهت هذه الخطوات انتقادات واسعة، خاصة حل المجلس الأعلى للقضاء وعزل عشرات القضاة، مما دفع منظمات حقوقية دولية ومحلية إلى اعتبار ذلك ضربة قاضية لاستقلال السلطة القضائية وتقويضاً للمسار الديمقراطي الذي بدأ عقب ثورة 2011.

يصر الرئيس قيس سعيد في المقابل على أن هذه الخطوات كانت ضرورية لتطهير البلاد من الفساد والفوضى التي سادت لسنوات، نافياً نيته التأسيس لديكتاتورية جديدة، ومؤكداً أن الملاحقات القضائية تتم وفق القانون وتستهدف المتورطين في قضايا فساد مالي أو تآمر على أمن البلاد. تتهم منظمات حقوقية نظام سعيد بحملة قمع واسعة استهدفت قادة المعارضة، بينما تنفي السلطات تلك الاتهامات وتؤكد أنها تلاحق الخارجين عن القانون.

تظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المحرك الأساسي للشارع، في ظل تراجع الثقة في قدرة المؤسسات الحالية على إيجاد حلول ناجعة للأزمات المتلاحقة التي تعصف بالبلاد. يبقى التحدي الأكبر أمام المعارضة المنقسمة هو تحويل هذا الغضب الشعبي المتنامي إلى ضغط سياسي منظم قادر على إحداث التغيير المرجو في ظل إحكام الرئيس قبضته على مفاصل الحكم. تشير المعطيات الحالية إلى أن الاحتجاجات تعكس استمرار قدرة خصوم قيس سعيد على حشد أنصارهم، ولو بشكل متفاوت من مظاهرة لأخرى، مما يضع مستقبل البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى