مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: معايير تقييم القيادات وآلية التدوير الديمقراطي

لم تكن أزمة كثير من الحركات الإصلاحية والدعوية يومًا في ندرة الكفاءات أو قلة التضحيات، بقدر ما كانت في غياب النظام المؤسسي الذي يضبط القيادة ويقيّم أداءها ويضمن تداولها المسؤولية بصورة طبيعية.


فمع طول البقاء في المواقع القيادية، قد تتحول القيادة من تكليف مؤقت وأمانة خاضعة للمحاسبة إلى موقع يرتبط بالشخص، ثم تتراكم حوله الرمزية والهيبة والأسبقية التاريخية، حتى يصبح تغيير القيادة أمرًا استثنائيًا، ويُنظر إلى التدوير أحيانًا باعتباره تهديدًا للاستقرار لا وسيلة لحماية المؤسسة.


ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته بـ التكلس القيادي؛ حيث تتراجع الكفاءة أمام الولاء، وتضعف القدرة على النقد والمراجعة، وتتأخر الأجيال الجديدة عن مواقع المسؤولية، وتصبح المؤسسة أكثر ارتباطًا بالأشخاص وأقل قدرة على الاستمرار والتجدد.

“القيادة أمانة وليست امتيازًا”
التصور الإسلامي للقيادة يقوم على الأمانة والشورى والمساءلة، لا على العصمة أو التقديس.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110].
كما وضع القرآن معيارًا جامعًا للاختيار والكفاءة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
فـالأمانة تمثل النزاهة والالتزام الأخلاقي وحفظ الحقوق، بينما تمثل القوة القدرة والكفاءة وحسن الإدارة وتحقيق الأهداف.
وقد قامت تجربة الخلفاء الراشدين على الشورى والمحاسبة؛ فكان أبو بكر رضي الله عنه يطلب النصيحة والتقويم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتابع الولاة ويحاسبهم ويعزل بعضهم عند الحاجة.


والقاعدة التي ينبغي أن تحكم أي مؤسسة إصلاحية هي أن الرسالة أبقى من الأشخاص، والمؤسسة أكبر من قياداتها، والسلطة أمانة وليست ملكية دائمة.

أولًا: معايير تقييم القيادات
لا ينبغي أن يقوم تقييم القيادة على المشاعر أو الأقدمية أو التاريخ الشخصي وحده، وإنما على معايير واضحة قابلة للقياس والمراجعة.
1- القدرة الاستراتيجية وتحقيق الإنجاز.
يجب أن يُسأل بوضوح: هل تمتلك القيادة رؤية للواقع وتحولاته؟.. هل وضعت أهدافًا واضحة قابلة للقياس؟.. وما نسبة ما تحقق من تلك الأهداف خلال الدورة القيادية؟.. فالقيادة لا تُقاس بعدد الاجتماعات والخطابات، وإنما بقدرتها على تحقيق النتائج وإدارة الموارد ومواجهة الأزمات واستشراف المستقبل.

2- الأمانة والشفافية.
يجب أن تكون القيادة خاضعة للمحاسبة المالية والإدارية والمؤسسية، وأن تقدم تقارير دورية واضحة للهيئات المختصة.. ولا ينبغي أن تكون المعلومات ملكًا للقيادة وحدها، ولا أن تتحول السرية إلى وسيلة لمنع الرقابة أو حجب الحقائق.

3- احترام الشورى والمؤسسات.
من أهم معايير التقييم معرفة الطريقة التي تتخذ بها القيادة قراراتها.
هل تحترم المؤسسات الشورية؟.. هل تسمح بالرأي المخالف؟.. هل تستمع إلى الخبراء؟.. هل يتحول القرار إلى قرار مؤسسي أم يبقى مرتبطًا بشخص أو دائرة ضيقة؟.

4- القدرة على النقد الذاتي.
القيادة الناضجة لا تعتبر التراجع عن القرار الخاطئ ضعفًا، بل شجاعة ومسؤولية.
ومن ثم ينبغي تقييم قدرتها على الاعتراف بالأخطاء وإجراء المراجعات وتصحيح السياسات وعدم تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاقات.

5- صناعة الصف الثاني.
أحد أهم اختبارات القيادة هو السؤال: من يستطيع أن يحل محلها؟.. فالقيادة التي تبقى سنوات طويلة دون أن تنتج بدائل مؤهلة ليست قيادة ناجحة مهما بلغت خبرتها.. ويجب أن تمتلك المؤسسة برامج واضحة لتأهيل الشباب ونقل الخبرات وتوسيع دائرة المسؤولية.

6- سلامة المناخ الداخلي.
لا يكفي تحقيق بعض الإنجازات الخارجية إذا كانت المؤسسة تتآكل من الداخل.
ومن مؤشرات نجاح القيادة:
قدرتها على استيعاب الاختلاف، ومنع الشللية، وتحقيق العدالة في التكليف والترقية، وحماية أصحاب الرأي المخالف، ومنع الإقصاء وتصفية الحسابات.. كما ينبغي رصد حجم تسرب الكفاءات وخروج الشباب من المؤسسة؛ لأن ارتفاعه قد يكون مؤشرًا على خلل قيادي عميق.

7- اختبار الاستغناء عن القائد.
أقوى المؤسسات هي التي تستمر بصورة طبيعية عند غياب قائدها.. أما المؤسسة التي تتوقف أو تضطرب بمجرد غياب شخص واحد، فهي مؤسسة مرتبطة بالزعامة أكثر من ارتباطها بالنظام.. ولهذا يمكن القول إن أحد أهم مؤشرات نجاح القائد هو قدرته على بناء مؤسسة تستطيع الاستمرار بعده.

ثانيًا: آليات التقييم المؤسسي
لا قيمة للمعايير إذا لم تتحول إلى إجراءات واضحة.
ومن ثم يجب أن تنص اللوائح على تقييم دوري للقيادة، يشمل تقرير أداء سنويًا، ومراجعة مرحلية، ومؤشرات معلنة مسبقًا، وتقييمًا من المؤسسات الرقابية والشورية.. كما يمكن اعتماد تقييم متعدد المصادر يشمل أعضاء الهيئات التي تعمل مع القيادة، مع منح المسؤول حق الرد على الملاحظات وتصحيح المعلومات.. ولا ينبغي أن يكون التقييم أداة للعقوبة أو تصفية الحسابات، وإنما وسيلة للتطوير والتصحيح واتخاذ القرار بصورة موضوعية.

ثالثًا: التدوير الديمقراطي للقيادة.
التقييم وحده لا يكفي إذا ظلت القيادة قابلة للبقاء بلا سقف زمني.. ولهذا تحتاج المؤسسات إلى آليات واضحة وملزمة تضمن انتقال المسؤولية بطريقة منتظمة وسلمية.

  • تحديد مدد القيادة.
    ينبغي أن تحدد اللائحة سقفًا زمنيًا واضحًا لتولي المواقع القيادية.. ومن النماذج المناسبة اعتماد دورتين متتاليتين كحد أقصى، على أن تحدد المؤسسة مدة كل دورة وفق ظروفها وطبيعتها.
    المهم هو تثبيت المبدأ: لا قيادة دائمة ولا موقع أبدي داخل المؤسسة.
  • الانتخابات الحرة والسرية.
    يجب أن تعتمد القيادات على انتخابات حقيقية تسمح بالتنافس وتعدد الخيارات، مع الاقتراع السري وتكافؤ الفرص.. كما ينبغي تقليل ظاهرة «التزكية المغلقة» التي تعيد إنتاج الدوائر القيادية نفسها وتحد من ظهور بدائل جديدة.
  • الفصل بين التنفيذ والرقابة.
    من مقتضيات الحوكمة الرشيدة ألا يتحول الجهاز الذي ينفذ القرار إلى الجهة نفسها التي تراقبه وتحاسبه.
    لذلك ينبغي الفصل قدر الإمكان بين الهيئات التنفيذية والهيئات الرقابية والشورية، وألا يشارك المسؤول في تقييم أدائه أو مساءلة نفسه.
  • التدوير في ظروف الأزمات.
    لا ينبغي أن تتحول الظروف الأمنية أو الشتات أو الأزمات إلى ذريعة دائمة لتعطيل الشورى والانتخابات وتجديد القيادة.. قد تفرض الظروف تعديل الوسائل، لكنها لا ينبغي أن تلغي المبدأ..ويمكن استخدام وسائل آمنة للاجتماع والتصويت والتمثيل المرحلي، مع الحفاظ على الحد الأدنى من المؤسسية والمساءلة.. فالخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول «الضرورة الأمنية» من ظرف مؤقت إلى نظام دائم للحكم الداخلي.
  • الاستفادة من القيادات السابقة.
    تدوير القيادة لا يعني إهدار الخبرات أو إقصاء القيادات السابقة. بل ينبغي إنشاء مجالس استشارية أو مراكز خبرة تضم أصحاب التجارب السابقة للمساهمة في التخطيط ونقل المعرفة ودراسة المآلات.. لكن ينبغي أن يبقى دورها استشاريًا، دون امتلاك سلطة موازية تستطيع تعطيل القيادة المنتخبة أو التحكم في قراراتها.
  • القيادة بعد انتهاء المسؤولية.
    من أهم الاختبارات الأخلاقية للقائد موقفه عندما يغادر موقعه. هل يقبل بنتائج الانتخابات؟.. هل يدعم القيادة الجديدة؟.. هل ينقل إليها المعلومات والخبرات؟
    هل يمتنع عن بناء مراكز نفوذ موازية؟.. فالخروج الحضاري من القيادة لا يقل أهمية عن طريقة الوصول إليها.. والقيادة التي تعرف كيف تغادر موقعها تقدم للمؤسسة درسًا أكبر أحيانًا من درس بقائها فيه.

الخلاصة


إن إصلاح القيادة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل ببناء نظام يمنع احتكار القيادة ويجعل التقييم والتداول جزءًا طبيعيًا من حياة المؤسسة.
ولا يكفي أن نجد قائدًا صالحًا أو كفؤًا؛ بل يجب أن تكون لدينا مؤسسة تستطيع محاسبته إذا أخطأ، وتغييره إذا انتهت مدته، والاستمرار بعده دون انهيار.
فالقيادة في العمل الإسلامي والإصلاحي ليست تشريفًا ولا امتيازًا ولا حقًا مكتسبًا، وإنما أمانة مؤقتة.
والمؤسسة الناضجة ليست التي تعتمد على قائد استثنائي، بل التي تمتلك نظامًا قادرًا على إنتاج قيادات جديدة باستمرار.
وحين تصبح الكفاءة والأمانة والشورى والمحاسبة والتدوير قواعد مستقرة، تتراجع الشخصنة، وتتسع مساحة المشاركة، ويجد الشباب طريقهم الطبيعي إلى المسؤولية، وتتحول المؤسسة من تنظيم يرتبط بعمر قياداته إلى مشروع قادر على التجدد والبقاء عبر الأجيال.
فالرسالة لا ينبغي أن تتقاعد برحيل قائد، والمؤسسة التي لا تستطيع تغيير قيادتها بصورة طبيعية لا تستطيع أن تقود مشروعًا حقيقيًا للتغيير.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى