ليبياملفات وتقارير

موقع «دويتشه فيله» الألماني يكشف تسريبات.. كيف يستغل أمراء الحرب بليبيا ملف الهجرة لابتزاز أوروبا؟

تكشف تحقيقات استقصائية ووثائق مسربة نشرها موقع «دويتشه فيله» الألماني عن اتساع نطاق نفوذ قوى مسلحة وأمراء حرب في ليبيا خلال إدارة ملف الهجرة غير النظامية المتجهة نحو القارة العجوز، حيث منحت السيطرة الميدانية على مسارات العبور في البحر المتوسط هذه الأطراف نفوذا سياسيا وأمنيا متزايدا عند التعامل مع الدول الأوروبية، وأصبح هذا الملف ورقة ضغط استراتيجية يستخدمها الفاعلون المحليون لتعزيز مكانتهم في الداخل والخارج، مما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني في المنطقة بشكل متسارع.

أسرار سيطرة ميليشيات ليبيا على مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا

تتجه مؤسسات الاتحاد الأوروبي، رغم إعلانها المتكرر عن التزامها بمكافحة الهجرة غير النظامية، نحو تعزيز آفاق التعاون مع قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، إلى جانب تشكيلات مسلحة متعددة في المنطقة الشرقية، بهدف وحيد وهو الحد من تدفق أفواج المهاجرين عبر السواحل الليبية باتجاه الشواطئ الأوروبية، ويأتي هذا التحرك الأوروبي نتيجة إدراك هذه العواصم أن الاعتماد على جهات محلية تسيطر فعليا على الأرض يمثل الوسيلة الأسرع لضبط حركة العبور في البحر.

تتضمن مجالات التعاون المشترك بين الجانبين وفقا لما كشفته الوثائق المتاحة تدريب وحدات بحرية متخصصة، وتوفير أنظمة مراقبة تقنية متطورة، ورادارات متقدمة، بالإضافة إلى تقديم دعم مادي وفني لقدرات خفر السواحل، حيث تهدف تلك الجهود إلى إغلاق طرق العبور عبر البحر المتوسط، بينما يسعى خليفة حفتر من جانبه إلى توظيف هذه الشراكات لتعزيز موقعه السياسي وتدعيم سيطرته الأمنية، محققا مكاسب إضافية تخدم طموحاته بعيدة المدى في مقابل تحقيق أهداف التكتل الأوروبي المتعلقة بخفض أعداد الوافدين.

تواجه هذه الاستراتيجية انتقادات حادة من جهات حقوقية أوروبية ودولية متعددة، إذ وثقت تقارير رسمية انتهاكات جسيمة منسوبة إلى مجموعات مسلحة مرتبطة بقائد قوات شرق ليبيا بحق المهاجرين، شملت حوادث عنف مفرط وتجاوزات في التعامل مع قوارب المهاجرين وسط البحر، مما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقات الأمنية التي تقيمها المؤسسات الأوروبية مع قوى مسلحة متهمة بخرق القوانين الدولية، ومدى تغليب أولوية وقف الهجرة على حساب المبادئ الحقوقية والالتزامات الأخلاقية التي ينادي بها الاتحاد.

تفتح المعطيات المتداولة نقاشا واسعا حول قدرة الأطراف المسيطرة على مسارات الهجرة في ليبيا على استغلال هذا الملف كورقة نفوذ سياسي في مواجهة الحكومات الأوروبية، خاصة في ظل حالة الانقسام السياسي والأمني التي تشهدها البلاد، حيث توجد مراكز نفوذ متعددة ومتصارعة، إذ يسيطر قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر على نفوذ عسكري واسع في مناطق الشرق، بينما تدير حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مناطق الغرب بشكل مستقل، مما يخلق بيئة خصبة لابتزاز العواصم الأوروبية.

يمثل طريق وسط البحر المتوسط المنطلق من السواحل الليبية نحو أوروبا أحد أخطر وأبرز مسارات الهجرة غير النظامية على المستوى العالمي، حيث أصبح هذا الملف مرتبطا منذ سنوات طويلة بتداخلات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة داخل ليبيا، وتستمر هذه التداخلات في تشكيل واقع جديد يتجاوز مجرد مراقبة الحدود ليصبح جزءا من صراع القوى المحلية على الشرعية الدولية، مما يجعل التنسيق مع أمراء الحرب أمرا واقعيا تفرضه الحسابات البراجماتية للأطراف المعنية بوقف الهجرة غير النظامية.

تستمر التفاعلات المتعلقة بتدفق المهاجرين في إحداث تداعيات ملموسة على العلاقات بين ليبيا والشركاء في الاتحاد الأوروبي، ويظل التعاون الأمني القائم حاليا مع الفصائل المسلحة محل بحث دائم في الأوساط السياسية، خاصة مع تزايد الاعتماد على جهات غير رسمية لضبط حركة العبور، مما يشير إلى تحول في التكتيكات الأوروبية للتعامل مع أزمات الجوار، بينما تظل التحديات المرتبطة بالاستقرار الأمني الداخلي في ليبيا العائق الأكبر أمام أي حلول جذرية تنهي مأساة الهجرة غير النظامية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى