تثبيت الفائدة بالبنك المركزي: هل يحمل الفقراء الفاتورة تحت شعار “الترقب”؟

اتخذت لجنة السياسة النقدية قرارًا استراتيجيًا بالإبقاء على أسعار العائد دون أي تغيير للمرة الرابعة على التوالي، وذلك في خطوة تعكس تمسك السلطات النقدية بنهج التحوط الصارم لمجابهة التحديات التضخمية المتنامية والتقلبات الإقليمية الراهنة. ويأتي هذا التثبيت ليفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول تأثيرات استمرار السياسة النقدية التقييدية على الظروف المعيشية لقطاعات عريضة من المواطنين الذين يواجهون ضغوطًا مستمرة نتيجة موجات غلاء الأسعار المتتالية في الأسواق.
حددت لجنة السياسة النقدية مستويات العائد عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، بينما استقر سعر العملية الرئيسية عند 19.5%، مبررة ذلك القرار باستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية المتلاحقة، وتصاعد مخاطر التضخم التي تفاقمت عقب تحريك أسعار الكهرباء، وصولًا إلى تسجيل معدل التضخم السنوي نحو 14.9% خلال شهر يوليو، وهو ما يعكس استمرار الضغوط التضخمية في السوق.
جاء هذا التوجه متوافقًا مع تقديرات الأسواق المالية، إلا أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن الإبقاء على الفائدة عند مستوياتها المرتفعة، بالتوازي مع استمرار موجات التضخم، يفرض أعباء إضافية على المواطنين، لاسيما أصحاب الدخول المحدودة الذين يفتقرون إلى أدوات التحوط ضد تآكل القوة الشرائية، في وقت تستمر فيه السياسة النقدية التقييدية كأداة وحيدة تقريبًا لمواجهة الاختلالات السعرية الراهنة.
تبعات استمرار سياسة التثبيت على الإنتاج والمستهلكين
يرى مدحت نافع أن تثبيت أسعار الفائدة لا يعني بالضرورة احتواء كافة الضغوط التضخمية، مؤكدًا أن الزيادات الأخيرة التي طالت أسعار الكهرباء والطاقة ستنتقل أثرها بشكل تدريجي إلى أسعار السلع والخدمات النهائية خلال الأشهر المقبلة. ويشير نافع إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج اللوجستية وتكاليف النقل سيدفع المنتجين والتجار إلى تمرير تلك الزيادات للمستهلك النهائي، مما يجعل الأسر ذات الدخل المحدود الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الصعبة.
يؤكد وائل النحاس أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يرفع تكلفة الاقتراض للشركات والمصانع، مما يؤدي بالتبعية إلى تباطؤ معدلات الاستثمار والإنتاج المحلي. ويوضح النحاس أن ارتفاع تكاليف التمويل يجبر المنتجين على رفع أسعار منتجاتهم لتعويض تكلفة الاقتراض، وهو ما يلمسه المستهلك مباشرة في السلع الأساسية، مشددًا على أن المواطن البسيط لا يجني ثمار الفائدة المرتفعة بقدر ما يتحمل نتائجها السلبية في صورة غلاء مستمر وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
السياسة النقدية ومعضلة تآكل الدخول الحقيقية
يشير فخري الفقي إلى أن السياسة النقدية تهدف في المقام الأول إلى ضبط جماح التضخم، لكنها تحتاج إلى مدى زمني طويل لتحقيق نتائج ملموسة، منوهًا إلى أن أي زيادات في أسعار الطاقة أو الخدمات الحكومية تطلق موجات تضخم جديدة تضرب استقرار الأسواق. ويوضح الفقي أن التضخم يلتهم الدخول الحقيقية للمواطنين، خاصة ذوي الأجور الثابتة، مما يفرض ضرورة التوسع في شبكات الحماية الاجتماعية لمواجهة هذه الضغوط السعرية الممتدة.
يضيف إلهامي الميرغني أن المشكلة الجوهرية لا تقتصر على سعر الفائدة فحسب، بل تمتد لتشمل استمرار السياسات التي ترفع تكاليف المعيشة بشكل دائم. ويبين الميرغني أن الأسر أصبحت تخصص الجزء الأكبر من دخولها لتغطية نفقات الغذاء والمواصلات والكهرباء، مما يقلص قدرتها على الإنفاق في مجالات التعليم والصحة، مؤكدًا أن أي زيادة سعرية جديدة تعني انخفاضًا مباشرًا في القوة الشرائية في ظل ثبات الأجور أمام معدلات التضخم الصاعدة.
يخلص الاقتصاديون إلى أن تثبيت السياسة النقدية وسعر الفائدة قد يساهم في الحد من الضغوط التضخمية على المدى المتوسط، لكنه يزيد في الوقت ذاته تكلفة التمويل والإنتاج، وهو ما يؤثر سلبًا على أسعار السلع والخدمات. وبالنسبة لملايين المواطنين، يظل التحدي الأكبر يتمثل في استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، حيث تبقى الأجور بعيدة عن مستويات الإنفاق الفعلية، مما يزيد من صعوبة الحفاظ على مستوى معيشة مقبول مع كل موجة تضخم جديدة تضرب البلاد.







