تركستان الشرقية.. لماذا تحولت قضية الإيغور إلى معركة عالمية مع الصين؟

في أقصى غرب الصين، وعلى مساحة شاسعة تتاخم دول آسيا الوسطى، تستمر واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في علاقة بكين بالأقليات القومية، وهي قضية الإيغور في إقليم تسميه السلطات الصينية رسميًا «شينجيانغ»، بينما يطلق عليه ناشطون وحركات إيغورية اسم «تركستان الشرقية».
والإيغور شعب من أصول تركية، غالبيته من المسلمين، وله لغته وثقافته وهويته الخاصة. وعلى مدار عقود، شهدت العلاقة بين قطاعات من الإيغور والسلطات الصينية توترات متكررة، تراوحت بين مطالب بالحفاظ على الهوية والخصوصية الثقافية والدينية والحكم الذاتي، ووصلت لدى بعض الحركات إلى المطالبة بالاستقلال، في مقابل تمسك بكين بأن الإقليم جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية.
من صراع الهوية إلى الملف الأمني
لم تبق القضية محصورة في الخلاف حول الهوية والثقافة. فمع تصاعد أعمال العنف والاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، أعادت الحكومة الصينية صياغة تعاملها مع الملف باعتباره قضية مرتبطة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب والتطرف والانفصال.
وتقول بكين إن الإقليم تعرض لسنوات لأنشطة إرهابية ومتطرفة، وإن الإجراءات التي اتخذتها استهدفت منع انتشار التطرف وإعادة تأهيل المتأثرين به، مؤكدة أن ما تصفه بـ«مراكز التعليم والتدريب المهني» أُنشئ ضمن برنامج لمكافحة التطرف وتعليم اللغة والقانون والمهارات المهنية.
لكن هذه الرواية تواجه اتهامات دولية واسعة من منظمات حقوقية وناشطين إيغور، تتحدث عن اعتقالات واسعة وقيود على الممارسات الدينية والثقافية، وسياسات تهدف إلى دمج الإيغور قسرًا في النموذج الثقافي والسياسي الذي تفرضه الدولة الصينية.
اتهامات دولية ورد صيني
وأصبح الملف أكثر حضورًا على الساحة الدولية بعد تقارير حقوقية وأممية تناولت أوضاع الإيغور والأقليات المسلمة الأخرى في الإقليم.
وكان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد خلص في تقييم بارز صدر عام 2022 إلى أن الانتهاكات التي وثقها في شينجيانغ قد ترقى إلى مستوى «جرائم دولية، ولا سيما جرائم ضد الإنسانية»، فيما واصلت منظمات حقوقية خلال السنوات التالية المطالبة بتحقيق المساءلة ومتابعة تنفيذ توصيات التقرير.
في المقابل، ترفض الصين هذه الاتهامات بصورة قاطعة، وتتهم أطرافًا غربية باستخدام ملف الإيغور أداة للضغط السياسي عليها والتدخل في شؤونها الداخلية، وتؤكد أن سياساتها في شينجيانغ ساهمت في تحقيق الاستقرار ومواجهة الإرهاب والتطرف وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
موقع استراتيجي يتجاوز حدود الصين
ولا تنبع أهمية الإقليم من قضية الإيغور وحدها، إذ يتمتع شينجيانغ بموقع جغرافي بالغ الحساسية في غرب الصين، ويرتبط بحدود مع عدد من دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
كما يمثل الإقليم بوابة رئيسية للطرق البرية التي تربط الصين بآسيا الوسطى وأوروبا، ما يمنحه أهمية خاصة في مشاريع الربط التجاري والاقتصادي الصينية، وعلى رأسها مبادرة «الحزام والطريق».
ويضم الإقليم كذلك موارد طبيعية واقتصادية مهمة، وهو ما يجعل أي اضطراب واسع داخله مرتبطًا بالنسبة لبكين ليس فقط بقضية قومية أو أمنية، وإنما بحسابات اقتصادية وجيوسياسية أوسع.
القضية تدخل الصراع بين الصين والغرب
ومع تصاعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة ودول غربية، خرجت قضية الإيغور بصورة أكبر من إطارها المحلي، وأصبحت جزءًا من المواجهة السياسية والحقوقية والاقتصادية مع بكين.
وفرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول عقوبات وقيودًا مرتبطة باتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان والعمل القسري في شينجيانغ، بينما أصبحت سلاسل التوريد القادمة من الإقليم موضع تدقيق متزايد، خاصة في قطاعات القطن والطاقة والصناعات المرتبطة بالمعادن والتكنولوجيا.
وتؤكد منظمات حقوقية أن المخاوف لم تنته مع تراجع الحديث عن معسكرات الاحتجاز بالصورة التي كانت عليها في ذروة الأزمة، مشيرة إلى استمرار القيود على التعبير الديني والثقافي، وإلى تقارير عن برامج نقل العمالة وسياسات الاستيعاب الثقافي.
تركيا والعالم الإسلامي
وتحظى القضية بحساسية خاصة في تركيا بسبب الروابط اللغوية والثقافية والقومية بين الأتراك والإيغور، فضلًا عن وجود جالية إيغورية كبيرة في البلاد، وهو ما جعل أنقرة إحدى أهم الساحات الخارجية لنشاط المدافعين عن قضية تركستان الشرقية.
لكن القضية تضع عددًا من الدول الإسلامية أمام معادلة معقدة، تجمع بين التعاطف الشعبي مع الإيغور من جهة، والمصالح الاقتصادية والسياسية المتنامية مع الصين من جهة أخرى.
وهكذا تحولت قضية بدأت تاريخيًا بصراع على الهوية والخصوصية القومية إلى ملف دولي تتقاطع فيه حقوق الإنسان مع مكافحة الإرهاب، والاقتصاد مع الجغرافيا، والتنافس بين القوى الكبرى.
وبينما تصر بكين على أن ما يجري في شينجيانغ شأن داخلي مرتبط بمكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار، يرى معارضو سياساتها أن القضية تتعلق بمستقبل شعب وهويته وحقوقه الثقافية والدينية.
وبين الروايتين، تبقى «تركستان الشرقية» أو «شينجيانغ» واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في العلاقة بين الصين والعالم، وملفًا مرشحًا للبقاء حاضرًا في الصراع الدولي مع استمرار صعود بكين وتزايد المنافسة حول نفوذها العالمي.







