ذاكرة التاريخ رحيل رائد السينما أحمد بدرخان وتأسيس استوديو الفن

تأسيساً على معطيات التقويم الزمني وحسابات التاريخ الموثقة، فإن الذكرى الحالية لرحيل المخرج السينمائي الكبير أحمد بدرخان توافق الثالث والعشرين من شهر أغسطس عام 1969، وهو تاريخ لا يطابق يومنا الحالي الثاني والعشرين من شهر أغسطس، مما يقتضي تصنيف التقرير ضمن سياق ذاكرة التاريخ الاستثنائية بكل تفاصيلها ودقائقها الموثقة.
استهل المخرج الراحل أحمد بدرخان مسيرته الفنية برصيد غني من الأعمال الخالدة التي وضعت حجر الأساس للسينما العربية على قواعد منهجية سليمة ومدروسة. ساهم المخرج البارز في دفع الاقتصادى طلعت حرب نحو تأسيس استوديو السينما الشهير، وتخصص بامتياز في إخراج الأفلام الغنائية ليصبح رائداً من أبرز روادها عبر إدارته لأعمال كبار نجوم الغناء والطرب مثل أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان ونجاة الصغيرة ومحمد فوزي ومحمد عبدالمطلب وآخرين. تنوعت أعماله السينمائية بين الدراما العاطفية والاجتماعية والسياسية مع حضور طاغي للملمح الرومانسي في كافة تجاربه الفنية تقريبا. اختارته السيدة أم كلثوم في عام 1937 لتولى إخراج ثاني أفلامها المسمى نشيد الأمل والذي أنتجته شركة أفلام الشرق كأول مشاريعها الإنتاجية.
تولى المخرج القدير إخراج جميع أفلام كوكب الشرق باستثناء فيلم سلامة الذي تولى إخراجه المنتج توجو مزراحي، بينما أخرج لها أفلام دنانير وعايدة وفاطمة بكل نجاح جماهيرى ونقدي. أقدم المخرج الراحل على إخراج أول أعمال الفنان فريد الأطرش بجانب شقيقته أسمهان في فيلم انتصار الشباب، ثم أطلق مجموعة أعمال قام بإنتاجها وبطولتها فريد الأطرش مثل شهر العسل وما قدرش وأحبك أنت وآآخر كدبة وعايزة أتجوز بجانب الفنانة نور الهدى وفيلم لحن حبي مع صباح، إضافة إلى ععهد الهوى وإزاي أنساك. أخرج كذلك فيلم شيء من لا شيء للمطرب عبدالغني السيد، وعمل مع نجاة علي في فيلم تاكسي حنطور للمطرب محمد عبدالمطلب، وقدم للمطرب محمد فوزي ونور الهدى فيلمين هما مجد ودموع وقبلني يا أبي. قدم أيضا فيلم علشان عيونك للمطرب عبدالعزيز محمود، وفيلم أنا وإنت للمطرب محمد الكحلاوي، وتولى إخراج فيلم غريبة الذي مثل الانطلاقة الأولى للفنانة نجاة الصغيرة.
تضمنت محطة الأربعينات من القرن العشرين تعاوناً مثمراً حيث كوّن أحمد بدرخان مع أمينة رزق وعبدالحليم نصر وحلمي رفلة شركة إنتاج أطلق عليها اسم شركة اتحاد الفنانين وقدمت أعمالا بارزة مثل قبلة في لبنان والقاهرة بغداد وسجين الليل وعدل السماء وغيرها. أخرج في عام 1966 فيلم سيد درويش ثم فيلم النصف الآخر وأفراح وختم مسيرته بفيلم نادية الذي يعد آخر عمل أخرجه طوال مسيرته الفنية الحافلة.
شهد تاريخ الثامن عشر من شهر أكتوبر عام 1909 مولد المخرج الكبير الذي تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدرسة الفرير وبدأ تعلق الشاب المبكر بالسينما في سن الثانية عشرة عندما كان يتردد على دار سينما الكوزمو الواقعة في شارع عماد الدين. أثثر فيلم شارلي شابلن الصامت بشكل بالغ في وجدانه فتعلق بالتمثيل وعزم على الظهور على الشاشة الفضية. استطاعت صداقته بزميل الدراسة جمال مذكور أن تغذي هذه الهواية فترددا باستمرار على مسرح رمسيس لمتابعة المسرحيات وحضور البروفات الفنية المكثفة.
انضم أحمد بدرخان في عام 1930 إلى معهد التمثيل الذي أنشأه زكي طليمات غير أن الدارسة توقفت بسبب إغلاق المعهد، وبعد نيله شهادة الكفاءة الفرنسية التحق بالجامعة الأمريكية وشارك في نشاط فريق التمثيل الذي دربه الفنان الكبير جورج أبيض. أنشأ المخرج مستقبلا فريقاً خاصاً للتمثيل أطلق عليه اسم فريق الطليعة وقام بأداء دور البطولة في مسرحية الأديب على مسرح رمسيس، ثم التحق بكلية الحقوق لدراسة القانون استجابة لرغبة والده. راسل في تلك الفترة معهد السينما في باريس لتصله محاضرات تخصصية نشر معظمها في مجلة الصباح التي أسندت إليه لاحقاً تحرير قسم السينما الأسبوعي.
أُوفد المخرج في أول بعثة سينمائية إلى العاصمة الفرنسية باريس في عام 1931 وحصل على دبلوم متخصص في فن الإخراج السينمائي. لفتت كتاباته الانتباه الاقتصادي البارز طلعت حرب الذي استدعاه وكلفه بإعداد تقرير واف عن إمكانية تأسيس استوديو سينمائي متكامل. استعان المخرج بكتب ومقالات متخصصة فضلاً عن التفاصيل الفنية التي زود به صديقه نيازي مصطفى الدارس للسينما في ألمانيا. حظي التقرير بموافقة تامة وبدأت خطوات التنفيذ الفعلية وأرسل حرب بعثتين دراسيتين إلى فرنسا وألمانيا.
ترأس المخرج البعثة المصرية المتوجهة إلى فرنسا وهناك التقى الفنان نجيب الريحاني خلال تصوير فيلم ياقوت أفندي في عام 1934 ليعمل مساعداً للمخرج أميل روزيه. تسلم المخرج خلال وجوده بباريس قصة وداد من إدارة استوديو الفن لإعداد السيناريو الخاص بها لتكون باكورة الإنتاج. عاد في شهر أكتوبر عام 1934 ليعين مخرجاً سينمائياً براتب شهري قدره عشرون جنيهاً، وكان من المقرر أن يكون فيلم وداد لعام 1936 من بطولة أم كلثوم أول مشاريعه غير أن خلافاً شخصياً مع مدير الاستوديو أحمد سالم أدى إلى تنحيته وإسناد المهمة للخبير الألماني فريد كرامب. قدم استقالته احتجاجاً على هذا القرار واختير لاحقاً نقيباً للسينمائيين وأول رئيس لاتحاد النقابات الفنية. حاز جائزة الدولة التقديرية في عام 1954 ووسام الفنون في عام 1962 وترك خلفه نحو ثلاثين فيلماً سينمائياً بين إنتاج وإخراج حتى وافته المنية في الثالث والعشرين من شهر أغسطس عام 1969 تاركاً إرثاً سينمائياً خالداً.






