ذاكرة التاريخ

ذاكرة التاريخ: سيرة الأمير عمر طوسون صانع المجد والخير في الإسكندرية

تتجدد حكايات الأعلام والرموز الوطنية الخالدة مع استرجاع السير العطرة لشخصيات تاريخية تركت بصمات لا تمحى في وجدان الأمة، حيث يتصدر المشهد اليوم الأمير عمر طوسون الذي أبهر الجميع بمواقفه الإنسانية العظيمة، مستهدفاً بذلك تقديم صورة مشرفة عن الأمير عمر طوسون الذي حفر اسمه بحروف من نور، ومواصلاً سرد المحطات البارزة في حياة الأمير عمر طوسون المليئة بالإنجازات والخدمات الجليلة، لتظل سيرة الأمير عمر طوسون حية في الأذهان، ومؤكدين على الدور العظيم الذي لعبه الأمير عمر طوسون في خدمة المجتمع حتى آخر يوم في حياته.

تحركت خطوات الأمير عمر طوسون منذ ميلاده في مدينة الإسكندرية يوم الثامن من سبتمبر عام 1872 ليكون الابن الثاني للأمير طوسون بن محمد سعيد والي البلاد بن محمد علي باشا الكبير، وتأثر كثيراً بوالدته الأميرة فاطمة إسماعيل إحدى بنات الخديوي إسماعيل المعروفة بالعمل الخيري والحنان البالغ تجاه الأهالي. فقد والده وهو في الرابعة من عمره فكفلته جدته لأبيه وأشرفت على تعليمه أولاً في القصر ثم استكمل دراسته في سويسرا وتنقل بعد تخرجه بين عدة بلدان أوروبية، وتزوج من الأميرة بهيجة حسن حفيدة الخديوي إسماعيل وأنجب منها النبيل سعيد طوسون والنبيل حسن طوسون والنبيلة أمينة طوسون والنبيلة عصمت.

استطاع الأمير عمر طوسون أن يجمع بين الثراء الملكي والتواضع والبساطة لأغلب الأهالي الذين عايشهم، ليصبح من أكثر الشخصيات شعبية في النصف الأول من القرن العشرين، وكان وجهاً مألوفاً يطوف الشوارع مترجلاً من عربته التي تجرها الخيول ليستوقفه المارة طلباً للخدمات التي لم ترد أبداً وليستحق لقب أمير قلوب الفقراء، واستهدف تقديم خدماته الإنسانية والاجتماعية في كل وقت ومكان لتعزيز مكانة الأمير عمر طوسون في قلوب محبيه، ومؤكداً تفوق الأمير عمر طوسون في أعمال البر، لتبقى مآثر الأمير عمر طوسون حاضرة بقوة.

توجه الأمير عمر طوسون إلى الكتابة والتأليف والإنتاج العلمي الغزير بالعربية والفرنسية ونشر بحوثه التاريخية والجغرافية والأثرية في الصحف، وكان مولعاً بمطالعة تاريخ البلاد والسودان، ومغراماً بالبحث في مجال الصحراء والتنقيب عن الآثار خصوصاً في مدينة الإسكندرية وما حولها. ينسب إليه العثور على رأس تمثال الإسكندر الأكبر بخليج العقبة واكتشاف بقايا مدينة مغمورة بالماء على عمق خمسة أمتار بأبي قير عام 1934، وكتب وصية قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات تخص مكتبته الضخمة التي ضمت نحو ثمانية آلاف مجلد من نفائس الكتب والمخطوطات والصور والخرائط وأوصى بإهدائها للمتحف الحربي والمتحف اليوناني الروماني ومكتبة بلدية الإسكندرية.

توفي الأمير عمر طوسون يوم الأربعاء الموافق الثلاثين من محرم عام 1363 هجرياً، الموافق السادس والعشرين من يناير عام 1944 ميلادياً، وأوصى أن تبدأ جنازته من الميدان المواجه لمحطة القطارات في الإسكندرية حتى لا يضطر المعزون للسير مسافات طويلة، وبدأت الجنازة كما أراد ولف علم البلاد نعشه الذي حمله ضباط في البحرية، وأحاط ضباط الجيش بالموكب واصطف الأهالي في الشوارع وفوق الأسطح والشرفات لتوديعه، وعند وصول الموكب إلى ضريح العائلة الملكي في شارع النبي دانيال هتفت الجماهير في ذمة الله يا عمر الأمة تودعك يا أمير الإسكندرية، لتنتهي رحلة الأمير عمر طوسون في الحياة تاركاً إرثاً عظيماً يحكيه التاريخ للأجيال القادمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى