ذاكرة التاريخملفات وتقارير

في ذكرى حريق المسجد الأقصى.. يوم أشعلت النيران غضب العالم الإسلامي

يوافق الحادي والعشرون من أغسطس ذكرى واحدة من أكثر الحوادث التي بقيت حاضرة في ذاكرة القدس والعالم الإسلامي، عندما اندلعت النيران داخل المسجد الأقصى عام 1969، والتهمت أجزاء من المسجد القبلي ومنبر صلاح الدين التاريخي، قبل أن تتحول الواقعة إلى أزمة تجاوزت حدود فلسطين ووصلت تداعياتها إلى العواصم العربية والإسلامية.

كان وراء الحريق الأسترالي مايكل دينيس روهان، الذي دخل المسجد وأشعل النار داخله، في وقت كانت فيه القدس الشرقية قد وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل عامين فقط، عقب حرب يونيو 1967.

وسرعان ما امتدت ألسنة اللهب داخل المسجد، وسط محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما تصاعد الدخان فوق القدس وانتشرت صور الحريق في أنحاء العالم.

منبر عاش قرابة ثمانية قرون

كان منبر صلاح الدين من أبرز الخسائر التي خلفها الحريق، وهو أحد أشهر المعالم التاريخية داخل المسجد الأقصى.

وعلى عكس ما قد يوحي به اسمه، لم يأمر صلاح الدين الأيوبي بصناعة المنبر، وإنما أمر بصناعته نور الدين محمود زنكي في القرن الثاني عشر، ليكون في المسجد الأقصى بعد تحرير القدس من الصليبيين.

وتوفي نور الدين قبل أن يرى حلمه يتحقق، وعندما استعاد صلاح الدين القدس عام 1187، نُقل المنبر إلى المسجد الأقصى، وظل في مكانه قرابة ثمانية قرون.

وفي حريق عام 1969، التهمت النيران المنبر التاريخي تقريبًا بالكامل، كما لحقت أضرار بأجزاء أخرى من المسجد.

من أشعل الأقصى؟

ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على مايكل دينيس روهان بعد الحريق، وهو أسترالي كان يحمل معتقدات دينية متطرفة مرتبطة بتصورات حول إعادة بناء الهيكل في موقع المسجد.

وبدأت محاكمته في إسرائيل، لكن المحكمة اعتبرته غير مسؤول جنائيًا عن أفعاله بسبب حالته العقلية، وأودع مؤسسة للعلاج النفسي، قبل أن يعود لاحقًا إلى أستراليا.

وأعلنت الحكومة الإسرائيلية وقتها إدانتها للحريق، وتعاملت معه باعتباره جريمة ارتكبها شخص منفرد.

لكن الواقعة أثارت غضبًا واسعًا في العالمين العربي والإسلامي، حيث جاء الحريق بعد عامين فقط من احتلال إسرائيل للقدس الشرقية، ما جعل القضية تتجاوز هوية منفذ الحريق إلى مسؤولية حماية المقدسات الإسلامية في المدينة الواقعة تحت الاحتلال.

الحريق يصل إلى مجلس الأمن

تحركت دول عربية وإسلامية عقب الحريق، ووصل الملف إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وفي سبتمبر 1969، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 271، الذي أدان تدنيس المسجد الأقصى، وحذر من تداعيات المساس بالأماكن المقدسة في القدس.

وفي الوقت نفسه، بدأت الدعوات إلى تحرك إسلامي مشترك يتجاوز البيانات والإدانات، خصوصًا مع الصدمة التي أحدثتها صور المسجد والنيران تشتعل داخله.

حريق ساهم في ميلاد منظمة إسلامية

بعد نحو شهر من الحريق، اجتمع قادة وممثلو عدد من الدول الإسلامية في العاصمة المغربية الرباط في سبتمبر 1969، في أول قمة إسلامية من نوعها.

وشكل الاجتماع محطة أساسية في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت لاحقًا «منظمة التعاون الإسلامي»، وتضم اليوم 57 دولة.

وهكذا، تحول حريق استمر لساعات إلى أحد أبرز الأحداث التي دفعت الدول الإسلامية نحو إنشاء إطار مؤسسي دائم يجمعها، مع بقاء قضية فلسطين والقدس في قلب أهداف المنظمة منذ تأسيسها.

رحلة إعادة منبر صلاح الدين

وبعد إخماد الحريق، بدأت عمليات ترميم الأجزاء المتضررة من المسجد، لكن إعادة منبر صلاح الدين كانت قصة مختلفة.

فالمنبر الأصلي كان تحفة فنية شديدة التعقيد، تعتمد على آلاف القطع الخشبية المتداخلة والزخارف الهندسية، وكان المطلوب إعادة إنتاجه بصورة تقترب قدر الإمكان من المنبر الذي ظل داخل الأقصى لقرون.

وفي الأردن، انطلق مشروع لإعادة صناعة المنبر وفق تصميمه التاريخي وتقنيات التعشيق الخشبي التقليدية، وشارك فيه حرفيون ومتخصصون لإعادة بناء تفاصيله.

وتكوّن المنبر الجديد من آلاف القطع الخشبية، واستغرق العمل عليه سنوات، قبل نقله إلى القدس.

وفي عام 2007، وبعد نحو 38 عامًا من الحريق، عاد منبر صلاح الدين إلى مكانه داخل المسجد الأقصى.

57 عامًا والحكاية لم تنتهِ

مرت 57 عامًا على حريق المسجد الأقصى، وتغيرت خلالها خريطة المنطقة مرات عديدة، وتعاقبت حروب وانتفاضات ومفاوضات واتفاقات سياسية، لكن المسجد ظل واحدًا من أكثر ملفات القدس حساسية.

وبقي حريق أغسطس 1969 حاضرًا في الذاكرة، ليس فقط بسبب حجم الأضرار التي خلفها، وإنما بسبب التداعيات السياسية والدينية التي تجاوزت حدود المدينة.

فحادث بدأ بإشعال النار داخل المسجد وصل خلال أسابيع إلى مجلس الأمن، وجمع قادة العالم الإسلامي في الرباط، وساهم في تأسيس منظمة دولية ما زالت قائمة حتى الآن.

انطفأت نيران الحريق، وأعيد بناء ما دمرته النيران، وعاد منبر صلاح الدين إلى مكانه بعد عقود، لكن صورة المسجد الأقصى وهو يحترق ظلت واحدة من أكثر الصور رسوخًا في ذاكرة القدس والعالم الإسلامي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى