
أيها الواقفون على رصيف الخيبات، المتفرجون على مسرح العبث المنصوب فوق تلال من الآهات والديون.. سلام لا يحمل سلامًا، بل يحمل غصة شعب سُرق منه حتى حق الصراخ!
لقد ترك لنا نجيب سرور صرخته الشهيرة حين ضاقت به الأرض بما رحبت، ولم يجد غير الحبر الأسود ليغسله بدموع القهر.
واليوم، لو بُعث سرور من مرقده، لنظر إلى النيل لرأى ما هو أدهى وأمر؛ لرأى النهر العظيم الذي قامت على ضفافه الحضارة، وقد تحول في عهد الهواة والمقامرين إلى مجرد رهن عقاري في دفاتر الدائنين.
يا سادة يا كرام، يا من تجلسون في أبراجكم العاجية وتتحدثون عن “الإنجازات” بلغة الأرقام الميتة: إن الأرقام لا تشبع جائعًا، والخرسانة المسلحة لا تداوي مريضًا طُرد من مستشفى حكومي لأنه لا يملك ثمن “التذكرة”، والكباري الشاهقة لا ترفع قيمة عملة سُحقت تحت أقدام صندوق النقد الدولي حتى باتت لا تساوي قيمة الورق الذي طُبعت عليه!
أي عبث هذا الذي نعيشه؟ حين يصبح وزير الاقتصاد أو المالية مجرد “محصل جباية” برتبة جلاد، يفتش في جيوب الفقراء والمثقفين والعمال، يقتطع من قوت يومهم ليدفع فوائد قروض لم يستشرهم أحد في اقتراضها، ولم يروا منها سوى الغلاء، والظلام، والضياع.
هؤلاء الذين خربوا الذمم قبل أن يخربوا البلاد، وجعلوا من الوطن “عزبة” تدار بعقلية السمسار، متبرئون هم من تاريخ هذا الشعب، ونحن منهم براء إلى يوم الدين.
كنا نقول قديمًا “مصر يا أمة يا بهية”، واليوم نسأل بحرقة وبألم كل قلم حر.. أين البهاء والناس يطحنها الغلاء من الفجر إلى المغيب؟ أين البهاء والشباب يلقون بأنفسهم في قوارب الموت بالبحر المتوسط هربًا من جحيم العيش وذل الحاجة؟
إن الغضب الذي يعتمل في الصدور ليس مجرد كلام يقال في مقاهي المثقفين، بل هو بركان مكتوم. والذين يظنون أن الصمت رضا هم واهمون؛ فالصمت في حضرة الجوع والمهانة هو صمت الفتيل قبل الانفجار.
تبًا لكل يد وقعت على وثيقة بيع مقدرات هذا الوطن، وتبًا لكل لسان نافق وصور الخراب عمارًا، وستبقى لعنة التاريخ تلاحق كل من أضاع الأمانة وترك الأجيال القادمة غارقة في بحر من الديون والتبعية.
ارفعوا أيديكم عن قوت الناس، أو انتظروا يومًا لن تجدوا فيه سوى الحجارة.. فالجوع لا يعرف قانونًا، والغضب لا تحده السجون!







