رسالة غير مباشرة لأديس أبابا.. مدبولي يؤكد من تنزانيا “مصر حاضرة بحوض النيل”

توجّه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لتمثيل جمهورية مصر العربية في فعاليات مراسم افتتاح مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، محملًا برسائل جوهرية تتخطى النطاق التنموي البحت، وسط استمرار حالة التوتر والنزاع القائم بين القاهرة وأديس أبابا المتعلق بملف مياه النيل وتشييد سد النهضة الإثيوبي.
أكد رئيس الوزراء خلال خطابه الرسمي بمراسم الافتتاح أن مشروع جوليوس نيريري يحظى باهتمام بالغ ورعاية مكثفة، موضحًا أن نجاح تنفيذ هذا الصرح الهندسي الضخم يبرهن بوضوح على القدرات العالية والكفاءة المشهودة التي تمتلكها الشركات المصرية الوطنية في إنجاز أضخم المشروعات القومية والدولية خارج حدود الوطن، لاسيما داخل القارة الأفريقية السمراء.
تكتسب هذه التصريحات السياسية أبعادًا استراتيجية بالغة الأهمية عند وضعها في النصاب الجغرافي لتنزانيا كإحدى الدول الحيوية الواقعة ضمن منظومة حوض النيل، حيث سعت الدبلوماسية والقيادة السياسية من خلال هذه الخطوة الميدانية إلى ترسيخ قناعة مفادها أن الحضور المصري بالقارة العريقة لا يقتصر إطلاقًا على المواقف الدبلوماسية والسياسية المرتبطة بأزمة سد النهضة، بل يتعداه لمد جسور الشراكات الاقتصادية الفاعلة والمشروعات التنموية الكبرى لتطوير البنية التحتية.
صرح مدبولي بأن المشروع يعكس بدقة فائقة قدرة وإمكانات الشركات المصرية الوطنية على تنفيذ المشروعات الكبرى على المستوى الدولي وتحديدًا في أفريقيا، مبينًا استعداد الحكومة التام للمشاركة الجادة والفعالة في تشييد أي مشروعات تنموية مستقبلية تخدم مصالح الدول الأفريقية الشقيقة.
تحمل تلك التحركات الدبلوماسية والتنموية دلالات سياسية واضحة في مسرح الأحداث الإقليمي، نظراً لأن الإدارة في القاهرة تواصل جهودها المكثفة منذ أعوام طويلة لتعزيز وتوثيق أواصر التعاون المشترك مع دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، وذلك في مواجهة التحركات والمساعي المستمرة من الجانب الإثيوبي لتوسيع نطاق نفوذه الإقليمي وتقديم نفسه للرأي العام الأفريقي باعتباره القوة التنموية الصاعدة في الإقليم.
جاءت مشاركة الحكومة المصرية في بناء هذا المشروع العملاق المخصص لتوليد الطاقة الكهربائية في تنزانيا من خلال تحالف استراتيجي ضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، لتقدم بذلك نمطًا فريدًا ومختلفًا تمامًا عن آليات التعامل التقليدية مع ملف مياه النيل، مرتكزًا بالأساس على التعاون الاقتصادي المتبادل والاستثمار المباشر في البنية التحتية إلى جانب التحركات الدبلوماسية المستمرة.
سد ضخم بدولة أفريقية يحمل أبعاداً استراتيجية
يحمل اسم هذا الصرح التنموي دلالة رمزية بالغة الأهمية، إذ أُطلق عليه اسم جوليوس نيريري إجلالًا وتخليدًا لذكرى أول رئيس شهدته تنزانيا في تاريخها الحديث، ويصنف المشروع كواحد من أضخم وأكبر مشروعات توليد الطاقة الكهرومائية في عموم البلاد.
تولى تحالف الشركات المصرية زمام التنفيذ الفعلي والعملي لهذا المشروع الهائل، ممامنح القاهرة ورقة رابحة وأداة مهمة للتدليل العملي على قدرتها الفائقة في تقديم الخبرات الفنية والهندسية المتقدمة لدول القارة، خصوصًا في قطاعات حيوية مثل السدود، وإنتاج الطاقة، وتطوير البنية الأساسية، وهي المجالات التي تكتسب أهمية مضاعفة وتتصدر أولويات دول أفريقيا كافة.
تزامنت مشاركة القاهرة في إنجاز هذا المشروع الكهرومائي الضخم داخل دولة أفريقية مع الخلاف المستمر والممتد بينها وبين إثيوبيا بشأن وضع القواعد الحاكمة لملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي وما يترتب عليها من تأثيرات مباشرة محتملة على تدفقات حصة المياه التاريخية لنهر النيل، لترسل بذلك رسالة واضحة فحواها أن القاهرة لا تنظر أبدًا لمشروعات الطاقة والتنمية المستدامة في دول حوض النيل باعتبارها تهديدًا وجوديًا بذاتها، بل تركز اعتراضاتها وتعارضها حصريًا على الإجراءات الأحادية المخالفة للأعراف والتي تمس حقوقها المائية التاريخية.
وجه مدبولي رسائل غير مباشرة دون ذكر أطراف بالاسم
تجنب رئيس الوزراء ذكر اسم إثيوبيا أو الإشارة المباشرة لسد النهضة طوال خطابه الرسمي، ورغم ذلك فإن تأكيده القاطع على استعداد مصر التام للمشاركة في تنفيذ أي مشروعات تنموية بالدول الإفريقية الشقيقة يقرأه المحللون كرسالة سياسية مبطنة وموجهة بدقة إلى أديس أبابا وباقي عواصم المنطقة.
يسعى الخطاب السياسي المصري باستمرار إلى ترسيخ حقيقة موضوعية مفادها أن القاهرة تملك كافة المقومات لتكون شريكًا تنمويًا حقيقيًا وفاعلاً في صياغة مستقبل أفريقيا، وليست مجرد طرف يتمسك بحصته التاريخية المكتسبة من مياه نهر النيل.
أثبت نجاح الشركات المصرية في إنجاز مشروع جوليوس نيريري توفير نموذج عملي وتطبيقي يمكن الاعتماد عليه لتعزيز وتوسيع شبكة العلاقات المشتركة مع باقي دول القارة، وتحديدًا دول حوض النيل، في توقيت تسعى فيه إثيوبيا بلا هوادة لاستغلال مشروعات البنية التحتية والطاقة لفرض هيمنتها الإقليمية.







