مقالات وآراء

على درة يكتب: هل أجرم الدكتور حلمي الجزار؟

انقلبت الدنيا رأسًا على عقب على الدكتور حلمي الجزار، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، لأنه قال إن الخلاف ـ مهما كان ـ مع الدولة المصرية لا يمكن أن يأخذنا إلى دائرة الخوض في الأعراض والحياة الخاصة، وإن الخلاف مع الدولة في جوهره خلاف سياسي.

وانبرى كثيرون للهجوم على د. حلمي، لا لأنه ارتكب جريمة أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وإنما لأنه عبّر عن رؤية سياسية لم توافق رؤيتهم.

ورغم أن هناك من تبنى رأي د. حلمي، بل وقام بتأصيله شرعًا، مثل الشيخ عصام تليمة، فإن اللافت أن الهجوم انصب بصورة واضحة على شخص د. حلمي.

ولي هنا عدة وقفات:

أولًا: د. حلمي قال رأيه، فمن حقه أن يقول.

إذا كان رأيه ليس على هوى البعض، فما المانع أن يقول كل منا رأيه بوضوح؟

قل أنت إنك ترى أن الخلاف مع الدولة خلاف صفري، وأنه لا مجال فيه للحلول أو المساحات المشتركة، فأنت حر في رأيك.

ومن يرى أن الخلاف ليس صفريًا، وأن السياسة بطبيعتها تقوم على الصراع والتفاوض وإمكان الوصول إلى حلول، فهو أيضًا حر في رأيه.

فلماذا هذا الهجوم الحاد الذي وصل إلى ما يشبه الإرهاب الفكري؟

هل أصبحت القاعدة: إما أن تتبنى رأينا، وإما أن نذبحك معنويًا؟

هذا منطق مرفوض، ولا يليق بمن يعمل في السياسة أو المجال العام.

أما من يقول: «كان يسعه السكوت»، فأقول: ولماذا كان عليه أن يصمت؟ هل أصبح الصمت هو الخيار الوحيد المقبول، وأصبح الكلام جريمة إذا خالف ما نعتقده؟ إذا كان د. حلمي قد رأى أن من واجبه أن يعبّر عن تقديره السياسي، فلماذا نطالبه بالصمت بدل أن نناقش حجته؟ لا يمكن أن نطالب الناس بحرية الرأي عندما توافقنا، ثم نطالبهم بالصمت عندما تختلف معنا. إن كان ما قاله خطأً، فليرد عليه بالدليل، وإن كان صوابًا فليُقبل، أما «كان يسعه السكوت» فليست حجة، وإنما مصادرة لحقه في التعبير.

ثانيًا: نحن بهذه الطريقة نقدم لمن يختلف معنا أكبر دليل على أننا لا نملك القدرة على تقبل الرأي الآخر.

والسياسة، قبل أن تكون مواقف وصراعات، هي فن إدارة الاختلاف.

ومن يعمل في السياسة والعمل العام ولا يستطيع أن يسمع رأيًا يخالفه، أو يناقش فكرة لا تعجبه، أو يرد على الحجة بالحجة، فالأفضل له أن يراجع أدواته قبل أن يراجع الآخرين.

ليس مطلوبًا منك أن توافق د. حلمي، وليس مطلوبًا منه أن يوافقك.

المطلوب فقط أن نناقش الفكرة بدلًا من صاحبها.

والقرآن الكريم يضع لنا قاعدة عظيمة في التعامل مع الخصومة:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

فإذا كان الله يأمرنا بالعدل حتى مع من نكره ونختلف معه، فكيف نسقط العدل لمجرد أن شخصًا قال رأيًا لم يعجبنا؟

ثالثًا: هناك فرق بين نقد الفكرة وتجريم صاحبها.

من حقك أن تقول: هذا الرأي خاطئ، وأن تقدم الأدلة على خطئه، وأن تعلن أن هذا الموقف لا يمثل رؤيتك السياسية.

لكن ليس من حقك أن تجعل مجرد الاختلاف جريمة أخلاقية، أو أن تشكك في نيات صاحبه، أو تحوله إلى عدو لمجرد أنه لم يقل ما تريد أن تسمعه.

لقد أصبحنا ـ للأسف ـ في زمن لا يناقش فيه أحيانًا ما قيل، وإنما يُحاكم القائل.

وهذه كارثة على أي جماعة أو تيار أو حركة تريد أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا للإصلاح.

رابعًا: الاختلاف في الرأي ليس خروجًا من الدين ولا خيانة للمشروع.

ما لم يقل د. حلمي أو غيره أمرًا يخالف معلومًا من الدين بالضرورة، فالأصل أن يؤخذ من كلامه ويُرد عليه.

وقد قال الإمام مالك رحمه الله: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر»، مشيرًا إلى رسول الله ﷺ.

فإذا كان العلماء أنفسهم يقررون أن البشر غير معصومين، فلماذا هذه العصبية تجاه رأي سياسي؟

ولماذا نريد أن نحول اجتهاداتنا السياسية إلى حقائق مقدسة لا يجوز الاقتراب منها؟

خامسًا: السياسة ليست عقيدة.

هناك فرق بين الثوابت الدينية وبين التقديرات السياسية التي تتغير بتغير الظروف والمعطيات والمصالح.

قد يرى شخص أن المواجهة هي الطريق الوحيد، ويرى آخر أن الحوار أفضل، وثالث أن الحل في التسوية، ورابع أن الموقف يحتاج إلى مزيج من الضغط والحوار.

كل هؤلاء يمكن أن يختلفوا دون أن يتحول اختلافهم إلى معركة في الدين والأخلاق والنيات.

سادسًا: أخطر ما يمكن أن يحدث لأي جماعة هو أن تفقد القدرة على إدارة تعدد الاراء وتنوعها.

فالخطأ ليس في أن تختلف، ولا في أن تخطئ في التقدير؛ الخطأ الأكبر أن تظن أنك لا تخطئ أصلًا.

الجماعات التي لا تسمح لأعضائها بالتفكير خارج الإطار المرسوم تتحول مع الوقت من جماعة تمتلك مشروعًا إلى جماعة تمتلك إجابات جاهزة.

وحين تصبح الإجابة جاهزة قبل أن يبدأ السؤال، يموت التفكير.

وحين يصبح السؤال جريمة، يبدأ الانغلاق.

وحين يصبح الاختلاف خيانة، يبدأ الانهيار.

ولذلك، فإن الدفاع عن حق د. حلمي الجزار في إبداء رأيه لا يعني بالضرورة الاتفاق معه.

أنا شخصيًا قد أختلف معه أو أتفق في بعض ما قال، لكن القضية عندي أكبر من شخص د. حلمي.

القضية هي:

هل نريد مجتمعًا سياسيًا يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يكره بعضهم بعضًا؟

هل نريد حركة سياسية تسمح بتعدد الاجتهادات داخلها؟

هل نريد أن نربي أجيالًا تعرف كيف تناقش الحجة، أم أجيالًا لا تعرف إلا كيف تهاجم صاحب الحجة؟

إننا إذا لم نتعلم احترام الاختلاف داخل صفوفنا، فكيف نطلب من الآخرين احترام اختلافنا معهم؟

وإذا كنا نطالب الآخرين بالديمقراطية وحرية الرأي، فعلينا أن نمارسها أولًا داخل دوائرنا.

وإذا كنا نرفض أن يُكمم الآخرون أفواهنا، فلا يجوز أن نكمم أفواه المختلفين معنا.

وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت به: هل أجرم د. حلمي الجزار؟

إن كان قد قال رأيًا سياسيًا نختلف معه، فالجواب: لا.

يمكن أن يكون مخطئًا، ويمكن أن يكون مصيبًا، ويمكن أن تكون رؤيته قابلة للنقد والمراجعة.

لكن الخطأ السياسي ـ إن ثبت ـ لا يحول صاحبه إلى مجرم فكري.

وإذا كان لدينا دليل على خطأ ما قال، فلنضع الدليل على الطاولة.

ناقشوا الفكرة.

فنّدوا الحجة.

قدموا البديل.

أما تحويل الاختلاف إلى حملة تشويه، وتحويل صاحب الرأي إلى هدف، ومحاولة إرهابه معنويًا حتى يتراجع، فهذه ليست قوة في الحجة، وإنما عجز عنها.

وأخشى أن يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل أخطأ حلمي الجزار؟

بل:

هل نحن قادرون أصلًا على أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء؟

فهذه هي المعركة الحقيقية.

لأن من لا يحتمل اختلاف أخيه في الرأي، لن يكون أكثر رحمة باختلاف خصمه.

ومن لا يقبل التعدد داخل صفه، لن يقنع أحدًا بأنه يؤمن بالتعدد خارج صفه.

ومن يطالب الآخرين بحرية الرأي ثم يصادرها على المختلفين معه، لا يدافع عن الحرية، وإنما يدافع عن حقه في أن يكون صاحب الصوت الوحيد.

وهذه ليست حرية… هذه وصاية.

والوصاية على عقول الناس ليست مشروعًا سياسيًا، مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

قل رأيك بوضوح… ودع غيرك يقول رأيه بوضوح.

ثم ليحكم الناس بينكما.

فالأفكار القوية لا تحتاج إلى إسكات خصومها.

الفكرة القوية تنتصر عندما تقف أمام النقد ولا تسقط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى