فلسطينملفات وتقارير

طالبات غزة يتحدين الدمار ويحققن التفوق الدراسي بأعلى المعدلات

بين الخيام وأنقاض المنازل والمدارس، تمسكت فتيات فلسطينيات بتعليمهن وأحلامهن، ليصبح نجاحهن أكثر من مجرد تفوق دراسي، بل شهادة حية على الصمود وإصرار قاطع على انتزاع مستقبل واعد من قلب الحرب والدمار الشامل.

تؤكد شهادات الثانوية العامة في قطاع غزة هذا العام أنها لم تكن مجرد وثائق نجاح عادية، بل هي الخلاصة القاسية لسنوات طويلة من النزوح والخوف والفقد المؤلم للأحبة، إلى جانب المحاولات الشاقة لحماية حق التعليم وسط كارثة إنسانية محيطة بكل التفاصيل اليومية للجميع هناك، بحسب ما وثقته المتابعات الميدانية الواسعة.

شهد يوم أمس السبت الموافق 22 أغسطس من عام 2026، تنظيم مبادرة مجتمعية مميزة بالتعاون المشترك بين معهد الأمل للأيتام ومؤسسة فلسطين الوقفية، حيث جرى تكريم أكثر من عشر طالبات من اليتيمات والناجحات والمتفوقات في امتحانات الثانوية العامة، فضلا عن الاحتفاء بعدد من الناجين الوحيدين وفاقدي الوالدين في أجواء احتفالية بدت محدودة للغاية في إمكاناتها المادية لكنها كانت كبيرة وعميقة للغاية في دلالاتها المعنوية والوطنية الكبرى.

منحت تلك الفعالية المتواضعة الفتيات مساحة نادرة للفرح والابتسامة الصافية بعد أعوام طويلة من العذاب والمعاناة، ووجهت رسالة صارخة مفادها أن تفوقهن ونجاحهن العظيم لم يمر مرور الكرام دون أن يلاحظه أحد، لاسيما وأن الإنجاز بالنسبة إلى تلك الطالبات لم يقتصر فحسب على اجتياز امتحان تقليدي بل مثّل محاولة بطولية مستميتة لاستعادة حقهن الأصيل في الحياة والمستقبل.

تفاصيل قصص النجاح البطولية للفتيات المكرمات

وقفت الطالبة فرح خليل العتال وسط الطالبات المكرمات بكل فخر واعتزاز محققة معدلا دراسيا بلغ 98.4% في الفرع العلمي، حاملة معها قصة تفوق دراسي مذهلة لم تنفصل أبدا عن مرارة الفقد والغياب، لتهدي هذا النجاح الكبير إلى روح والديها اللذين غابا عن لحظة تتويجها التاريخية مؤكدة استمرارها على نفس الطريق خلال مسيرتها الجامعية المقبلة.

أوضحت الطالبة فرح خليل في تصريحاتها أن هذا المعدل المرتفع تحقق رغم كل الظروف القاسية والتحديات الهائلة والنزوح المستمر وحرب الدمار وفقدان الأهل، مشيرة إلى أنها توجت اليوم وستبقى تتوج لآخر يوم في عمرها، وهي تنظر إلى الثانوية العامة باعتبارها مجرد بداية لرحلة طويلة نحو حلم دراسة الطب الذي راودها منذ سنوات طويلة وارتبط ارتباطا وثيقا بروح والدتها الراحلة لتسجل قريبا في كلية الطب وتعالج المرضى وفاء لذلك الحلم الأبدي.

ظهرت الطالبة لما سالم على منصة التكريم محملة بقصة نجاة إنسانية ثقيلة ومؤلمة للغاية بعدما نالت معدلا بلغ 84.1% في الثانوية العامة، إثر تحولها إلى الناجية الوحيدة من عائلتها الكريمة نتيجة قصف مدمر استهدف مكان تواجد أسرتها في شارع الوحدة، حيث خرجت من بين الركام المتساقط بعد مرور 24 ساعة كاملة بلا عائلة ولا سند.

بدأت لما سالم إثر تلك الفاجعة مرحلة جديدة وشاقة من النزوح والعيش القاسي داخل الخيام، ووجدت نفسها مجبرة على استكمال دراستها وتحدي الظروف في وقت كانت فيه الإمكانات التعليمية والمالية شبه منعدمة، لكنها أصرت بعزيمة لا تلين على مواصلة المسير وتحقيق أمنية عائلتها الراحلة في رؤيتها ناجحة ومتفوقة رغم غيابهم الجسدي عن تلك اللحظة المؤثرة.

تجاوزت قصة الطالبة هديل أبو الكاس كل حدود الصمود المعروفة بعدما فقدت بالكامل عائلتها المكونة من والديها وإخوتها في قصف غاشم استهدف منزل العائلة لتصبح الناجية الوحيدة منهم، وهي تعيش اليوم بقدمين مبتورتين وتصر رغم ذلك على إكمال تعليمها متحدية واقعا جسديا ونفسيا واجتماعيا بالغ القسوة والتعقيد.

لخصت هديل أبو الكاس تجربتها القاسية بالقول إنها فقدت عائلتها وقدميها معا لكنها لم تفقد حظوظ حلمها أبدا، فرغم الألم الجسدي والنفسي الذي فاق قدرة الاحتمال في أحيان كثيرة، رفضت رفضا قاطعا أن تكون تلك الإصابة المؤلمة نهاية لمستقبلها، موجهة رسالة واضحة لكل فتاة تواجه ظروفا قاسية بضرورة الاستمرار وألا تسمح لأي عارض مهما بلغ بأن يسلبها أهدافها النبيلة في الحياة.

آفاق مستقبلية ودعم مؤسسي متواصل للخريجات

تحدثت نجلاء الغلاييني، وهي عضو مجلس إدارة معهد الأمل للأيتام، موضحة أن هذه المناسبة الإنسانية جرى تخصيصها حصريا لتكريم الناجحين والناجحات من فئات الأيتام والناجين الوحيدين وفاقدي الوالدين، مشيرة إلى حضور أكثر من عشر طالبات من اليتيمات المتفوقات بهدف إدخال البهجة إلى قلوب الخريجات وتقديم الدعم الفعلي لاستمرار مسيرتهن التعليمية في الجامعات ومؤسسات التدريب المهني لتوفير فرص ملائمة لقدراتهن.

أكدت الناشطة المجتمعية أريج سلمي المشاركة في تنظيم المبادرة أن هذا النجاح يمثل رمزا حقيقيا للصمود الأسطوري والتحدي اليومي الذي يفرضه قطاع غزة، موضحة أن الاحتفال رغم بساطته الرقمية والمادية يحمل أبعادا وطنية كبرى لأن هؤلاء الفتيات يمثلن ركيزة أساسية من ركائز مستقبل المنطقة ومن خلالهن ستتم إعادة بناء البلاد من جديد عبر تجاوز كافة العقبات التمويلية واللوجستية التي واجهت القائمين على الحدث.

أشارت التقارير الرسمية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسيف إلى أن الحرب الدائرة حرمت نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاما من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب 3 أعوام دراسية متتالية، بينما تضررت قرابة 98% من مباني المدارس وتحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة إعمار شاملة بعد تعرض نحو 81% منها لضربات مباشرة حلت بالبنية التحتية التعليمية.

تمكنت الجهات التعليمية الإنسانية خلال النصف الأول من عام 2026 من إيصال التعليم المنظم إلى نحو 435 ألف طفل عبر 610 مساحات تعليم مؤقتة، حيث شكلت الفتيات نسبة 53% من إجمالي المستفيدين، واستفاد نحو 9300 طفل من ذوي الإعاقة، فضلا عن نجاح نحو 98% من الطلبة المسجلين في المشاركة الفعالة باختبارات الثانوية العامة لعام 2026 وسط ظروف استثنائية غير مسبوقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى