قطع الغاز يفتح ملف الأمن القومي: هل أصبحت طاقة مصر تحت رحمة تل أبيب

تشهد شبكة الكهرباء خلال شهر أغسطس الجاري أحمالا قياسية غير مسبوقة وسط موجة حر خانقة، بينما تستعد إسرائيل لخفض يقارب النصف في إمدادات الغاز الطبيعي القادمة إلى الجمهورية العربية المصرية، بسبب أعمال صيانة جزئية في حقلي تمار وليفياثان تستمر ثلاثة أيام.
يبدأ هذا الخفض المؤقت الذي يعد مبررا فنيا بحتا بحسب المعلن رسميا، ليعيد إلى الواجهة سؤالا أعمق يتجاوز حدود هذه الحادثة بذاتها حول مدى أمان اعتماد الجمهورية العربية المصرية على مصدر واحد رئيسي للغاز المستورد عبر الأنابيب، في ظل شبكة طاقة تعمل أصلا على حافة طاقتها القصوى.
تتجه الأنظار نحو تفاصيل هذا الخفض المرتقب، إذ تشير المعطيات إلى تحول جذري في حجم الكميات الواردة.
تبدأ إسرائيل خفض صادراتها من الغاز الطبيعي إلى الجمهورية العربية المصرية بنسبة خمسين بالمئة لتصل إلى ستمائة مليون قدم مكعبة يوميا اعتبارا من اليوم الاثنين، على أن تعود الإمدادات تدريجيا لمستواها الطبيعي البالغ مليار ومائتي مليون قدم مكعبة يوميا بحلول الخميس المقبل إذا لم يجد جديد.
يأتي هذا الخفض بعد شهر واحد فقط من زيادة مماثلة في الاتجاه المعاكس، إذ رفعت إسرائيل صادراتها للقاهرة بنسبة ثلاثة وعشرين بالمئة لتصل لنفس المستوى الحالي البالغ مليار ومائتي مليون قدم مكعبة، عقب بدء تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق المعدل لتصدير الغاز بين الجانبين.
تتزامن هذه التطورات مع توقيت بالغ الحساسية محليا، يفرض تحديات قاسية على البنية التحتية لقطاع الطاقة.
سجلت الأحمال على الشبكة القومية للكهرباء المصرية مستوى غير مسبوق بلغ أربعين ألفا ومائتي ميغاواط خلال الأسبوعين الأخيرين، مدفوعا بموجة حر شديدة رفعت الطلب على التكييف والتبريد إلى مستويات قياسية.
تستحوذ محطات الكهرباء بالفعل على نحو أربعة مليارات وستمائة وستين مليون قدم مكعبة من إجمالي استهلاك الغاز اليومي البالغ سبعة مليارات ونصف المليار قدم مكعبة، في مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز ثلاثة مليارات وثمانمائة مليون قدم مكعبة فقط، مما يجعل أي نقص إضافي في مصدر مستقر كالغاز الإسرائيلي يضع ضغطا إضافيا على منظومة تعاني فجوة هيكلية بين الإنتاج والاستهلاك.
تتحرك الجهات المعنية لاحتواء الأزمة سريعا عبر مسارات بديلة لتأمين الاحتياجات الأساسية.
طلبت الهيئة المصرية العامة للبترول شحنة فورية من الغاز الطبيعي المسال لاستقبالها عبر وحدة التغييز الأمريكية إكسيليريت إنرجي في ميناء العقبة الأردني خلال الأسبوع الجاري، بما يرفع إمدادات الغاز المعاد تغييزه القادم من الأردن بنسبة اربعمائة وثلاثة وثمانين بالمئة، من نحو ستين مليون قدم مكعبة حاليا إلى ثلاثمائة وخمسين مليون قدم مكعبة يوميا.
يأتي هذا التعويض السريع بكلفة مالية مباشرة، إذ تُقدَّر تكلفة الشحنة الإضافية وحدها بنحو خمسين مليون دولار، وهي نفقة طارئة تتحملها الجمهورية العربية المصرية لسد فجوة زمنية لا تتجاوز أياما معدودة في ظل الظروف الراهنة.
تتضاعف الأعباء مع استمرار تداعيات حوادث سابقة أثرت بشكل مباشر على القدرات الاستيعابية للموانئ المصرية.
يكشف التقرير عن سياق أوسع يزيد من حساسية الموقف الحالي، فحريق سفينة التغييز إنرغوس وينتر في ميناء دمياط الشهر الماضي والذي أدى لخروجها من الخدمة بالكامل، دفع الجمهورية العربية المصرية بالفعل لاستقبال شحنة غاز مسال إضافية عبر وحدة العقبة مطلع الشهر الجاري قبل هذه الشحنة الثانية المقررة هذا الأسبوع.
تدخل الجمهورية العربية المصرية فترة انخفاض إمدادات الغاز الإسرائيلي وهي أصلا تعمل بأربع سفن تغييز فقط بدل خمس، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ مليار وثلاثمائة وسبعين مليون قدم مكعبة يوميا موزعة بين السخنة والعقبة، أي أن هامش المناورة المتاح لتعويض أي نقص مفاجئ بات أضيق فعليا مما كان عليه قبل شهر واحد فقط.
ينفتح النقاش على أبعاد استراتيجية أعمق تخص مستقبل قطاع الطاقة وأمن الإمدادات على المدى الطويل.
تكشف الواقعة عن نقطة ضعف بنيوية تستحق نقاشا جادا بمعزل تام عن دوافع هذه الحادثة التقنية المحددة، إذ إن اعتماد الجمهورية العربية المصرية على خط أنابيب واحد رئيسي من مصدر خارجي بعينه لتغطية جزء مهم من فجوتها بين الإنتاج والاستهلاك يعني أن أي توقف سواء كان لصيانة روتينية معلنة أو عطل فني ينعكس فورا على قدرة الشبكة المحلية على تلبية الطلب.
يمثل هذا النوع من الاعتماد الأحادي على مصدر طاقة واحد خطرا استراتيجيا معترفا به عالميا في أدبيات أمن الطاقة، بصرف النظر عن هوية الجهة المصدرة أو طبيعة العلاقة السياسية معها، مما يجعل تنويع مصادر الغاز المستورد عبر زيادة طاقة التسييل الذاتية وتعدد نقاط استيراد الغاز المسال كما يحدث حاليا عبر الأردن أولوية أمنية لا اقتصادية فقط لضمان استقرار الأوضاع.







