العالم العربي

إسرائيل تعيد رسم تركيا كـ«عدو محتمل» وسط تصاعد التوتر في سوريا

تصاعدت في إسرائيل خلال الفترة الأخيرة نبرة التعامل مع تركيا باعتبارها تهديدًا إقليميًا محتملاً، بالتوازي مع انتقال التوتر بين البلدين من دائرة الخلاف السياسي والدبلوماسي إلى المجال العسكري في الساحة السورية، خاصة بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور شمال سوريا في 18 أغسطس الجاري.

وتشير تقديرات ودراسات إسرائيلية صدرت خلال العامين الماضيين إلى أن النظرة إلى تركيا داخل المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية لم تعد تقتصر على التعامل معها باعتبارها دولة منافسة إقليميًا، بل باتت تتجه تدريجيًا نحو إدراجها ضمن السيناريوهات التي تستعد فيها إسرائيل لاحتمال مواجهة عسكرية مستقبلية.

وجاء قصف مطار أبو الظهور وسط تلميحات إسرائيلية إلى ارتباط المواقع المستهدفة بالدعم العسكري التركي للجيش السوري، خصوصًا في مجالات القدرات الجوية وأنظمة الرادار.

ويأتي ذلك في سياق منافسة أوسع بين أنقرة وتل أبيب على النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي في المنطقة، ازدادت حدتها في أعقاب حرب غزة والحرب مع إيران، لتصبح الخلافات بين البلدين أكثر وضوحًا وعلنية.

بناء «الملف التركي» داخل إسرائيل

وسبق التصعيد العسكري بناء خطاب إسرائيلي متدرج تجاه تركيا، تضمن اتهامات لأنقرة والرئيس رجب طيب أردوغان باتباع سياسات معادية لإسرائيل مدفوعة، وفق الرؤية الإسرائيلية، باعتبارات عقائدية وسياسية.

كما ركزت بعض الدراسات الإسرائيلية على ما وصفته بالتنافس بين تركيا وإسرائيل على النفوذ الإقليمي، إلى جانب الصراع على المصالح الاقتصادية ومسارات نقل النفط والغاز، والعلاقات مع الدول المحيطة بالبحر المتوسط.

وفي يناير 2025، نشر الباحث المتخصص في الشأن التركي حاي إيتان كوهين ينروجاك دراسة تناول فيها التحولات الإقليمية بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، معتبرًا أن ذلك فتح مرحلة جديدة أمام النفوذ التركي.

ورأى ينروجاك أن أردوغان وقطاعات داخل تركيا ينظرون إلى سوريا باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي والجيوسياسي التركي، وربط ذلك بما وصفه بتوجهات “العثمانية الجديدة” الساعية إلى إعادة بناء نفوذ أنقرة في مناطق كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية.

وبحسب تقديره، فإن اتساع النفوذ التركي في شمال سوريا يجعل احتمال تصادم المصالح التركية والإسرائيلية مرتفعًا، خاصة في ظل الخلاف السياسي المتصاعد بين الجانبين.

وأشار في هذا السياق إلى تصريحات سابقة لوزير الدفاع التركي يشار غولر، قال فيها إن إسرائيل قد تمثل تهديدًا مباشرًا لتركيا، وإن احتمال إقدامها على مهاجمة الأراضي التركية في المستقبل يجب أخذه في الاعتبار.

ورغم ذلك، خلص الباحث الإسرائيلي حينها إلى ضرورة محاولة منع تحول تركيا إلى عدو معلن لإسرائيل.

اتهامات إسرائيلية لأنقرة بـ«تطويق» إسرائيل

وفي تقديرات إسرائيلية أخرى، طُرح أن أنقرة تعمل على توسيع نفوذها الإقليمي باستخدام مزيج من القوة العسكرية والقوة الناعمة.

وتشير هذه الرؤية إلى الوجود العسكري التركي الممتد من سوريا إلى الصومال وليبيا، إلى جانب الاعتماد على المساعدات الإنسانية والمشروعات الثقافية والدينية لتعزيز الحضور التركي.

ويرى هذا الاتجاه داخل دوائر البحث الإسرائيلية أن توسع النفوذ التركي لا يقتصر على التحديات الأمنية، بل يمتد أيضًا إلى المصالح الاقتصادية الإسرائيلية وتحالفاتها الإقليمية.

ومن بين الملفات التي يتركز عليها القلق الإسرائيلي العلاقات الثلاثية بين إسرائيل واليونان وقبرص، في ظل الخلافات المستمرة بين تركيا من جهة وأثينا ونيقوسيا من جهة أخرى بشأن شرق المتوسط.

كما يرتبط التنافس بمشروعات نقل الطاقة والممرات التجارية التي تربط آسيا والشرق الأوسط بأوروبا.

التنافس في سوريا

ويمثل الملف السوري أحد أبرز ساحات الخلاف بين تركيا وإسرائيل.

وترى تقديرات إسرائيلية أن توسع النفوذ العسكري التركي داخل سوريا قد يؤدي إلى تقييد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي، خاصة إذا نشرت أنقرة أنظمة دفاع جوي متقدمة داخل الأراضي السورية.

وتعتبر إسرائيل حرية العمل في الأجواء السورية عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيتها العسكرية، سواء للتعامل مع التطورات داخل سوريا أو لتنفيذ عمليات مرتبطة بإيران.

كما تتخوف دوائر إسرائيلية من اتساع التعاون العسكري بين تركيا والسلطات السورية الجديدة بما قد يمنح أنقرة دورًا أكبر في إعادة بناء الجيش السوري والبنية الدفاعية للبلاد.

وفي المقابل، ترى تركيا أن استمرار العمليات الإسرائيلية داخل سوريا يمثل تهديدًا لاستقرار البلاد ولسيادتها، ما يزيد من احتمالات الاحتكاك بين المصالح الأمنية للجانبين.

الملف الفلسطيني يزيد حدة الخلاف

ويمثل الموقف التركي من القضية الفلسطينية وحركة حماس أحد أبرز أسباب التوتر السياسي بين البلدين.

وتتهم دراسات ومؤسسات إسرائيلية تركيا بتوفير دعم سياسي لحماس واستضافة شخصيات مرتبطة بالحركة منذ سنوات.

كما تعتبر دوائر إسرائيلية أن أردوغان يوظف القضية الفلسطينية لتعزيز نفوذ تركيا داخل العالمين العربي والإسلامي، وهي قراءة ترفضها أنقرة التي تقدم دعمها للفلسطينيين باعتباره موقفًا سياسيًا وإنسانيًا.

وتزايدت حدة الخلاف بعد حرب غزة، مع تصعيد الخطاب التركي ضد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

لجنة إسرائيلية تصنف تركيا «عدوًا محتملاً»

وعكس تقرير رسمي صادر في يناير 2025 تحولًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه تركيا.

وصنفت لجنة ناغل، التي شكلها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2024 لدراسة ميزانية الأمن واحتياجات إسرائيل العسكرية، تركيا باعتبارها دولة عدو محتملة قد تدخل إسرائيل معها في مواجهة عسكرية مباشرة مستقبلًا.

وحذر التقرير من تنامي النفوذ التركي في سوريا بعد سقوط النظام السابق، وربط ذلك بمساعي أنقرة لتعزيز حضورها الإقليمي.

كما أشار إلى احتمال وجود قوات تركية أو تشكيلات سورية تعمل بالتنسيق مع أنقرة بالقرب من مناطق حساسة بالنسبة لإسرائيل، معتبرًا أن ذلك قد يمثل تحديًا استراتيجيًا وعملياتيًا جديدًا على الجبهة الشمالية.

ودعت اللجنة إلى استعداد إسرائيل عسكريًا واستراتيجيًا لاحتمالات زيادة التدخل التركي في سوريا، مع الحفاظ على جاهزية تمكنها من الاستجابة السريعة لأي تطورات.

القدرات العسكرية التركية تثير قلق إسرائيل

ويولي المخططون الإسرائيليون اهتمامًا خاصًا بالتطور العسكري التركي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية والصواريخ.

كما تتابع إسرائيل توسع الصناعات العسكرية التركية وقدرة أنقرة على إنتاج أنظمة قتالية محلية وتصديرها إلى عدد من الدول.

وتضمنت بعض التقديرات الإسرائيلية إشارات إلى ما وصفته بطموحات تركية محتملة في المجال النووي، وربطت ذلك بعلاقات أنقرة مع باكستان، إلا أن هذه الطروحات تظل في نطاق التحليلات والتقديرات ولم تتحول إلى معلومات مؤكدة بشأن برنامج تسلح نووي تركي.

الضربة في أبو الظهور ورسائل «الخطوط الحمراء»

وأظهرت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في سوريا يوم 18 أغسطس توجهًا أكثر وضوحًا نحو رسم حدود أمام الوجود العسكري التركي.

واعتبرت تقديرات إسرائيلية أن الهجوم حمل رسالتين متوازيتين: الأولى إلى تركيا لمنعها من ترسيخ بنية عسكرية قد تحد من حرية الحركة الإسرائيلية في سوريا، والثانية إلى السلطات السورية لمنع استخدامها الأراضي والمنشآت السورية لتعزيز الوجود العسكري التركي بما تعتبره إسرائيل تهديدًا لمصالحها الأمنية.

كما ارتبطت العملية بمحاولة الحفاظ على حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي داخل الأجواء السورية، التي تعدها إسرائيل ممرًا عملياتيًا مهمًا باتجاه إيران.

وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات إلى أن إسرائيل حاولت تجنب إصابة قوات تركية مباشرة خلال العملية، وهو ما يعكس حرص الطرفين حتى الآن على منع الانتقال إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

واشنطن تضبط سقف التصعيد

ورغم التصعيد، لا تزال تقديرات إسرائيلية تستبعد في المرحلة الحالية تحول الخلاف إلى حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل.

ويرى المستشرق الإسرائيلي إيال زيسر أن التوتر بين أنقرة وتل أبيب سيظل قائمًا، لكنه يواجه سقفًا تحدده بدرجة كبيرة الولايات المتحدة.

وتعتمد إسرائيل وتركيا وسوريا بدرجات مختلفة على العلاقات مع واشنطن، ما يجعل الموقف الأمريكي عاملاً مهمًا في منع الانزلاق نحو مواجهة واسعة.

وبناءً على ذلك، من المرجح استمرار التوتر والعمليات الإسرائيلية داخل سوريا، إلى جانب استمرار المنافسة بين تركيا وإسرائيل على النفوذ، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الطرفين إلى حرب مباشرة.

ومع ذلك، فإن إدراج تركيا بصورة متزايدة داخل التخطيط الأمني الإسرائيلي باعتبارها خصمًا استراتيجيًا أو “عدوًا محتملاً”، وتنامي الوجود التركي في سوريا، يضع العلاقات بين البلدين أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، قد تصبح فيها أي مواجهة ميدانية أو سوء تقدير قادرًا على رفع مستوى التصعيد بصورة أكبر مما شهدته السنوات السابقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى