الدكتور أيمن نور يكتب: بعد ثلاثين عاما.. أحمد بهاء الدين الذي لم يغب ونفتقد زمناً كان يتسع لأمثاله!

بعد ثلاثين عاما.. أحمد بهاء الدين الذي لم يغب
نفتقد الرجل..و نفتقد زمنا كان يتسع لأمثاله؟
اليوم….ثلاثون عاما مضت على رحيل الأستاذ أحمد بهاء الدين، ثلاثون عاما تبدو في حساب الزمن مسافة طويلة، لكنها في حساب الذاكرة ليست أكثر من خطوة بين بابين.
باب أغلقه الرحيل، وباب تفتحه الذكرى كلما مررنا أمام أسماء لا تقبل الغياب، لأن بعض الناس يرحلون عن مقاعدهم، ولا يرحلون عن أماكنهم في الضمير.
وفي ذكرى أحمد بهاء الدين، لا أعرف على وجه الدقة إن كنت أفتقد الرجل، أم أفتقد زمنا كان يتسع لرجل مثله.
زمنا كانت فيه الصحافة مهنة رأي قبل أن تصبح صناعة صدى، وكان الكاتب يستطيع أن يختلف مع الحاكم من دون أن يختلف مع الوطن، وأن يقف على مسافة من السلطة من دون أن يقف خارج الدولة، وأن يقول كلمته كاملة، ثم يعود إلى بيته محتفظا بقلمه وكرامته معا.
عرفت أحمد بهاء الدين أولا كما يعرف الشباب الكبار. من بعيد. من وراء سطور مقاله اليومي بالصفحة الأخيرة في جريدة الأهرام، كانت سطوره لها رائحة العقل، وهدوء الواثق، وشجاعة لا تحتاج إلى رفع صوتها.
في غضون ١٩٨٣اقتربت المسافات، وصار للاسم وجه وصوت ومواقف وذكريات شخصية، بعضها بقي معي كل هذه السنوات كأن الزمن لم يستطع أن يضع عليه غباره.
في مارس عام 1983، كنت رئيسا لاتحاد طلاب كلية الحقوق بجامعة المنصورة، كنت شابا في مطلع الطريق، أحمل من الحماسة أكثر مما أحمل من الخبرة، وأتصور، كما يتصور الشباب دائما، أن الأبواب المغلقة خلقت لكي نطرقها.
دعونا الأستاذ أحمد بهاء الدين إلى ندوة في الجامعة، لم تكن الدعوة بالنسبة لي مجرد استضافة لكاتب كبير، بل كانت محاولة لفتح نافذة يدخل منها هواء مختلف إلى الجامعية التي كان الشباب فيها يبحثون عن معنى للكلمة وعن مساحة للحوار.
لم تتم الندوة. ألغيت، وبدلا من أن يأتي أحمد بهاء الدين إلى الجامعة،ذهبت أنا لاعتقال جديد،جاء قرار باعتقالي من وزير الداخلية، وفي تلك اللحظة حدث شيء لم أنسه، ولن أنساه ما بقي لي من ذاكرة.
سافرت زميلتين لي بالجامعة الاستاذه إزيس محمود والأستاذة هانم طوبار ، للقاء الاستاذ احمد بهاء الدين لإبلاغه بما حدث
الرجل لم يكن مطالبا بأن يدفع ثمن حماسة طالب جامعي،لكن الاستاذ حمل قلمه وكتب مقاله في اليوم التالي بالأهرام مطالبا اللواء حسن ابو باشا بالإفراج عني، وفي اليوم نفسه كتب الأستاذ مصطفى أمين بالمعنى ذاته في مقاله فكره بالصفحة الأخيرة بجريدة الاخبار .
كنت يومها شابا يمكن أن يضيع اسمه بسهولة في زحام الأخبار، بينما كان أحمد بهاء الدين اسما يستطيع أن يختار معاركه.
لكنه اختار أن يقف إلى جوار شاب لا يملك إلا صوته وحلمه، ومنذ ذلك اليوم ظل هذا الموقف دينا في رقبتي ليوم الدين. فالمواقف التي تأتيك وأنت قوي قد تنساها، أما اليد التي تمتد إليك وأنت وحدك، فإنها لا تخرج من القلب أبدا.
ربما لهذا تعلمت مبكرا من الاستاذ ،أن قيمة المثقف ليست في عدد الكتب التي قرأها، ولا المقالات التي كتبها، بل في اللحظة التي يصبح فيها ما يؤمن به امتحانا شخصيا. هناك، عند حافة الخطر، تسقط البلاغة ويبقى الإنسان.
وأحمد بهاء الدين كان، قبل كل شيء، إنسانا يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الصمت في بعض اللحظات ليس حيادا، بل اختيار مهين.
مرت السنوات
كبرت أنا قليلا،
وكبرت معي المعارك والأسئلة.
وفي صيف عام 1987 كنت في لندن، في إقامة مؤقتة جاءت بعد معركتي مع وزير الداخلية آنذاك زكي بدر، وهناك شاءت المصادفة أن تمنحني واحدا من اللقاءات التي بقيت في ذاكرتي حتى اليوم.
دعانا خالد جمال عبدالناصر إلى غداء بالقرب من السفارة المصرية في لندن، كان أحمد بهاء الدين هناك ومعه الراحلة الكريمه زوجته.
جلسنا إلى مائدة امتدت حولها الأحاديث قرابة ثلاث ساعات، ثلاث ساعات لا أذكر منها الطعام بقدر ما أذكر دفء الكلام، ولا المكان بقدر ما أذكر الرجال، ولا التفاصيل الصغيرة بقدر ما أذكر ذلك الإحساس النادر بأنك تجلس أمام عقل لا يستعرض معرفته، بل يمنحك منها في هدوء.
كان أحمد بهاء الدين من أولئك الذين لا يرهقونك بثقل ثقافتهم.
لم يكن محتاجا لأن يخبرك أنه يعرف.
كنت تكتشف ذلك وحدك من سؤال صغير،
أو ملاحظة عابرة، أو صمت يأتي في موضعه الصحيح. وكان في هدوئه شيء من نبل جيل آمن بأن الكاتب كلما كبرت قيمته، قلت حاجته إلى استعراضها.
وفي نهاية اللقاء أهداني الاستاذ كراسة برتقاليه اللون تحمل عنوان من كلمة واحدة هي «الذاكرة» التي أعدها نجله زياد بهاء الدين عن القضية الفلسطينية.
لم تكن تلك الكراسه بالنسبة لي مجرد أوراق أخذتها من كاتب أحبه، احتفظت بها في ذاكرتي باعتبارها امتدادا للقاء، وإشارة صغيرة إلى رجل ظل حتى التفاصيل الأخيرة مهموما بقضايا أكبر من ذاته وبلده بمفهومها الجغرافي الضيق.
وحين أعود اليوم إلى أحمد بهاء الدين الكاتب، أتوقف كثيرا أمام «السداح مداح». لم تكن مجرد عبارة صحفية لامعة نجحت في البقاء، بل كانت إنذارا مبكرا من عقل رأى خلف أضواء الانفتاح الاقتصادي ظلالا طويلة ستكبر إذا ترك الاقتصاد بلا قواعد، والثروة بلا عدالة، والسوق بلا دولة قانون.
كتب ينتقد سياسات الانفتاح، واتصل به الرئيس أنور السادات يناقشه فيما كتب.
(أتوقف اليوم أمام هذه الصورة طويلا)
رئيس جمهورية يغضبه مقال، فيرفع الهاتف ليناقش صاحبه.
وكاتب يختلف مع الرئيس ولا يوقف عن الكتابة. لم تكن مصر يومها مدينة فاضلة، ولم تكن السلطة عاشقة للنقد، لكن المسافة بين الحاكم والقلم ،
كانت لا تزال تسمح، أحيانا، بهاتف ومناقشة وخلاف.
وبعد كل هذه العقود، يبدو السؤال أكثر مرارة. ماذا لو كتب أحمد بهاء الدين «السداح مداح» اليوم؟
هل كان سيتلقى اتصالا يناقشه في أفكاره، أم كانت الفكرة نفسها ستصبح موضع اتهام بنشر أخبار كاذبة؟
وهل المشكلة في أننا فقدنا أحمد بهاء الدين، أم في أننا فقدنا بالتدريج البيئة التي يمكن أن تنبت فيها ظاهرة اسمها أحمد بهاء الدين؟
لقد تغيرت الصحافة كثيرا. تغيرت سرعتها، وأدواتها، واقتصادها، وعلاقتها بالجمهور والسلطة. جاءت الشاشات، ثم جاءت المنصات، ثم صار كل إنسان يحمل في يده مطبعة وإذاعة وتلفزيونا صغيرا.
تضاعفت الكلمات إلى حد الضجيج، لكن وفرة الكلام لم تنتج بالضرورة وفرة في المعنى.
نعم ..أصبح لدينا آلاف الأصوات، وأحيانا نفتقد صوتا واحدا يجعلنا نفكر بالعقل لا بذلك الترند.
أحمد بهاء الدين لم يكن من أصحاب الصراخ. وهذه، في ظني، إحدى أكثر صفاته ندرة في زمننا. كان يعرف أن قوة الحجة لا تقاس بارتفاع الصوت، وأن المعارضة ليست شتيمة ، وأن الاستقلال لا يعني الخصومة الدائمة، وأن المثقف يستطيع أن يكون حادا من دون أن يكون فظا، وشجاعا من دون أن يكون مستعرضا، ووطنيا من دون أن يتحول إلي “بازا”.
لهذا أشعر، بعد ثلاثين عاما، أن غيابه صار أكثر حضورا. فهناك رجال يملأون زمنهم ثم ينتهون بانتهائه، وهناك رجال يكشف غيابهم ما نقص من الأزمنة التي جاءت بعدهم.
وكلما ضاقت المساحة بين الصحفي والموظف، وبين المثقف والمبرر، وبين الإعلام والإعلان السياسي، اتسعت في الذاكرة مساحة أحمد بهاء الدين.
أعود إلى ذلك الشاب الذي كنته في المنصورة عام 1983. لم يكن يعرف أن الرجل الذي كتب مطالبا بحريته سيغيب يوما،وأنه سيجلس بعد عقود يستعيد الموقف كما لو أنه حدث بالأمس.
وأفكر أن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما يكتبه عن نفسه، بل ما يكتب عن وجوده في حياة الآخرين.
أحمد بهاء الدين كتب آلاف الصفحات، لكن الصفحة التي تخصني لم تكن مقالا في كتاب.
كانت موقفا. والمواقف هي المقالات التي يكتبها الإنسان بلا حبر، ثم تبقى منشورة في ذاكرة الآخرين إلى الأبد.
ثلاثون عاما يا أستاذ بهاء، وما زلت أراك في تلك المسافة الجميلة بين العقل والشجاعة.
اراك في صحافة لم تكن بريئة من القيود، لكنها كانت تعرف أن للكلمة قدرا. وفي خلاف لم يكن يخلو من القسوة، لكنه كان يترك أحيانا للخصوم مقاعد حول مائدة واحدة.
وفي وطن كان يتعثر كثيرا، لكنه ظل قادرا على إنتاج رجال يختلفون معه من فرط محبتهم له، لا من نقص انتمائهم إليه.
وربما تكون الذكرى الحقيقية للراحلين الكبار ألا نضع صورهم في إطارات ب الذكاء الاصطناعي، بل نضع مواقفهم أمام حاضرنا.
وأكبر سؤال يتركه أحمد بهاء الدين لنا اليوم ليس كيف كان يكتب؟
بل كيف يمكن أن نستعيد وطنا يسمح للكاتب بأن يكتب كما يرى، وللقارئ بأن يختار ما يصدق؟ وللحقيقة بأن تدخل الغرفة من دون إذن مسبق من ضياء رشوان.
وبعد ثلاثين عاما من الرحيل، أكتشف أنني لا أرثي أحمد بهاء الدين بقدر ما أرثي أشياء رحلت بعده.
مساحة الاختلاف.
هيبة الكلمة.
وقار المهنة.
احترام العقل.
وذلك الخيط الرفيع الذي كان يصل بين السياسة والثقافة من دون أن يحول إحداهما إلى خادمة فلبينية للأخرى.
ويبقى الرجل. لا لأن الموت نسيه، بل لأن الذاكرة اختارته. ويبقى ذلك الدين القديم في رقبتي منذ مارس 1983.
دين لا أسدده برثاء ولا بمقال، بل بمحاولة أن أظل وفيا للمعنى الذي علمنيه موقفه يومها.
أن حرية من تختلف معه ليست منحة منك.
وأن الدفاع عن صوت شاب لا تعرف إلى أين سيقوده الطريق ، هو دفاع عن حق جيل كامل في أن يبدأ الطريق.
سلام على أحمد بهاء الدين بعد ثلاثين عاما من الغياب. سلام على قلم كان يعرف أن الحبر يمكن أن يكون ضميرا. وعلى عقل لم يحتج إلى ضجيج كي يكون شجاعا.
وعلى إنسان مد يده يوما إلى شاب في أول الطريق، فبقيت حرارة اليد في ذاكرته بعدما غابت اليد وصاحبها.
بعض الراحلين تأخذهم السنوات بعيدا.
وبعضهم تفعل السنوات معهم العكس تماما.
كلما ابتعدوا عنا في التاريخ، اقتربوا منا في المعنى.
وأحمد بهاء الدين، بعد ثلاثين عاما، واحد من هؤلاء الذين لم يزدهم الغياب إلا حضورا.






