د. أيمن نور يكتب: أليس لديكم غيري؟!

بعد سنوات من شبه التوقف عن هذا الهزل الممنهج، عاد هذا الشهر زبانية إعلام العار والعبط سنوات إلى الوراء، وبطريقة أقرب إلى «للخلف دُر».
عادوا، لا كعودة الابن الضال، ولا كعودة الشيخ إلى صباه، بل كعودة قلة العقل والمنطق والحكمة والأدب إلى من تصورنا، ولو للحظة، أنه بات أكثر رشدًا، وأقدر على إدراك أن فتح الجبهات وتأجيج الصراعات لهما حسابات في التوقيت والموضع والهدف. ولا أظن الفاعل جاهلًا بما يفعل، إنه يعرف، ويقصد أكثر مما يجهل، عامدًا متعمدًا.
فجأة، وفي شهر واحد، اكتشف هؤلاء المغيبون سلسلة مذهلة من «الحقائق» التي لم أكن، على ما يبدو، أعرفها عن نفسي! مثلًا:
1/ أنا الذي موّل اعتصام رابعة، رغم أنني لم أشارك فيه أصلًا وكنت خارج مصر!
2/ وأن ابن عمتي، الذي لا أعرفه، ولا أعرف أمه التي لا وجود لها في شجرة العائلة، كان يتاجر في المخدرات لتمويل رابعة!
3/ وأنني خططت ووجهت للهجوم على السفارات، رغم إدانتي هذه الاعتداءات!
4/ وأنني خططت وموّلت قاع الهامور!
5/ وأنني أخطط لما يسمونه حكومة الظل، وهي حكومة لا ظل لها عندي!
6/ وأنني أدير للإخوان ملفات كل القنوات، وأحرك الخيوط من وراء برفانات!
7/ وربما، إذا استمر بهم الشطط بهذه السرعة، سيكتشفون قريبًا أنني من أطلق مسيرة دمياط، أو أن لي يدًا في اغتيال السادات!
كلما ضاقت بهم الدنيا، اتسعت عندهم مساحة الأكاذيب المعلقة على شماعة اسمها أيمن نور. مرة أموّل الاعتصامات. ومرة أدير للإخوان كل القنوات. ومرة أدبر الهجوم على السفارات. ومرة أشتري شركات في جزر لا أعرف موقعها على الخريطة.
وبهذا المعدل، لم يعد مستبعدًا أن أستيقظ غدًا فأكتشف أنني موّلت بناء الأهرامات، وشاركت دي لسبس في الحصول على الامتيازات، وربما كنت وراء أزمة سد إثيوبيا، وتوتر العلاقات مع أوروبا والسعودية والإمارات!
يا سادة…
إنكم تزرعون ألغامًا، وتؤججون أزمات بدعوى مواجهتها، وتفتحون أبوابًا لتهب منها رياح لغضب مشروع ومستحق.
تتألمون عندما نقول عنكم بعض الحقيقة، ولا تأبهون أن تقول أبواقكم عنا كل يوم الزور.
المفارقة أنني عرفت هذا النوع من الحملات منذ عقود، ولم يرجف لي جفن ولم تهتز شعرة.
ففي زمن الرئيس الراحل حسني مبارك، كانت هناك إدارة في أمن الدولة، لتوجيه الشائعات ضدي، لكنها، رغم كل شيء، كانت عملًا شبه مؤسسي، يدار بقدر ما من العقل والمنطق، أو على الأقل بحد أدنى من احترام عقل الشارع.
وعندما كان البعض ينفلت باجتهاده أو جهله إلى ما يتجاوز حتى حدود المعقول في صناعة الأكاذيب، كان هناك من يقول له: قف… كفى.
أتذكر مثلًا المرحوم الأستاذ محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير الجمهورية، عندما تبنى روايات عبثية من طراز وجود علاقة غير مشروعة بيني وبين وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، أثمرت، بحسب خيال الرواية، عن «طفل خطيئة»!
ثم جاءت الرواية الأعجب، وهي أنني شاركت في حرب فيتنام ضمن الجيش الأمريكي، وهي الحرب التي انتهت وأنا لا أزال في عامي الثاني، وقبل أن أعرف أصلًا أين تقع فيتنام على الخريطة!
وكيف لي أن أحارب في بلد لم أزره إلى الآن ضد بلد لم ولن أزره بعد!
لكن يومها كان في النظام عقلاء قالوا للرجل: توقف عن هذا العبث.
فتوقف.
وهنا يصبح السؤال أكثر جدية من كل هذا العبث الساخر:
أين عقلاء النظام اليوم؟
وأين هم من حملة تتصاعد بهذا الشكل، وفي شهر واحد، وكأن هناك من قرر فجأة إعادة إخراج أفلام قديمة رديئة، بالممثلين أنفسهم، والسيناريو نفسه، مع إضافة بعض المؤثرات الرخيصة؟
فالاختلاف السياسي مفهوم. والنقد مشروع. والخصومة لها قواعد. أما الكذب، حين يتحول إلى صناعة، والخيال المريض حين يرتدي ثياب الخبر، فليس سياسة ولا إعلامًا، بل إساءة إلى عقل الناس قبل أن يكون إساءة إلى شخص بعينه.
وكما قالت «الست» أم كلثوم ذات يوم…
للصبر حدود.
وكما قلت، وأسأل، وأكرر:
أليس لديكم غيري؟!






