سد النهضة يضع مصر أمام خيارات صعبة وسط مخاوف من سدود إثيوبية جديدة

تواجه مصر خيارات متزايدة الصعوبة في التعامل مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا والسودان لتنظيم تشغيل السد، وتصاعد المخاوف من خطط أديس أبابا لإقامة ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، بما قد يفرض واقعًا مائيًا جديدًا ويضيّق هامش التحرك أمام القاهرة.
ومنذ الإعلان عن بدء تشغيل سد النهضة في سبتمبر 2025، بقيت قضية قواعد ملء وتشغيل السد دون اتفاق ملزم بين الدول الثلاث، رغم سنوات طويلة من المفاوضات والوساطات الإقليمية والدولية.
وبدأت إثيوبيا بناء سد النهضة عام 2011، وسط اعتراضات مصرية ومخاوف من تأثير المشروع على موارد مصر المائية، قبل استكمال مراحل ملء الخزان وافتتاح السد في سبتمبر 2025.
ولم تنجح التحركات المصرية خلال السنوات الماضية في الوصول إلى اتفاق ملزم، بينما أدى الصراع الداخلي في السودان إلى إضعاف قدرته على المشاركة بصورة فاعلة في الملف، رغم اشتراك الخرطوم مع القاهرة في عدد من المخاوف الفنية المتعلقة بتنسيق عمليات تصريف المياه.
كما لم تنجح الوساطة التي قادها الاتحاد الأفريقي على مدار سنوات في الوصول إلى آلية ملزمة، في حين ظل الدعم العربي للموقف المصري محدود التأثير على مسار الأزمة.
وفي المقابل، لا تزال القاهرة تتمتع بدعم دولي، خصوصًا من الولايات المتحدة، رغم غياب تدخل أمريكي مباشر يؤدي إلى تسوية نهائية للنزاع.
وتتمسك مصر بأن موقفها يستند إلى مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالاستخدام المنصف والمعقول للمياه العابرة للحدود، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، وضرورة التعاون بين دول حوض النهر، بالإضافة إلى إعلان مبادئ سد النهضة الموقع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015.
لكن الخلاف لا يزال قائمًا حول تفسير هذه المبادئ ونطاق تطبيقها، إلى جانب الخلاف بشأن الاتفاقات التاريخية السابقة المنظمة لمياه النيل، والتي لم تكن إثيوبيا طرفًا فيها.
وزادت الانقسامات المؤسسية داخل حوض النيل تعقيدًا بعد دخول الاتفاق الإطاري للتعاون في الحوض حيز التنفيذ في أكتوبر 2024 بمشاركة ست دول، دون انضمام مصر والسودان إليه.
حدود الخيار العسكري
ورغم امتلاك مصر قدرات عسكرية وجوية كبيرة، فإن الخيار العسكري ضد سد النهضة يواجه مجموعة من التعقيدات الفنية والسياسية والجغرافية.
ويقع السد على مسافة تقارب 1400 كيلومتر جنوب مصر، وهو ما يجعل تنفيذ عملية جوية ضده أمرًا معقدًا من الناحية العملياتية، خاصة فيما يتعلق بمدى الطائرات واحتياجات التزود بالوقود.
ويمكن نظريًا تجاوز مشكلة المسافة باستخدام قواعد أقرب داخل السودان، إلا أن عدم الاستقرار الذي تشهده البلاد يجعل مثل هذا الاحتمال شديد التعقيد، فضلًا عن أن استخدام الأراضي السودانية قد يؤدي إلى جر الخرطوم إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا.
وتبرز كذلك صعوبة فنية تتمثل في طبيعة بناء السد، إذ إن تدمير منشأة ضخمة مشيدة من الخرسانة المرصوصة باستخدام ضربات جوية تقليدية يمثل تحديًا كبيرًا، بينما يمكن أن تتركز الضربات المحتملة على منشآت مثل التوربينات ومحطات الكهرباء أو المفيضات دون ضمان تدمير جسم السد.
وتزداد خطورة السيناريو العسكري في ظل امتلاء الخزان، إذ إن انهياره قد يؤدي إلى اندفاع كميات هائلة من المياه على امتداد النيل الأزرق، بما قد يلحق أضرارًا واسعة بمناطق مأهولة في إثيوبيا والسودان قبل وصول المياه إلى مصر.
وبالتالي، قد يكون السودان من أكثر الدول تعرضًا للخطر في حال انهيار السد، وهو ما يمثل عاملًا إضافيًا في حسابات القاهرة.
كما توجد اعتبارات سياسية أفريقية مرتبطة بأي تدخل عسكري مصري ضد إثيوبيا، إذ يمكن أن يؤدي مثل هذا التحرك إلى تصاعد خطاب يعتبر المواجهة تدخلًا من دولة عربية وشمال أفريقية ضد دولة في أفريقيا جنوب الصحراء، بما قد يؤثر على علاقات القاهرة بالقارة ويقوض جهودها لتعزيز حضورها الأفريقي.
علاقات تاريخية بين مصر وإثيوبيا
ورغم الخلاف بشأن مياه النيل، تجمع مصر وإثيوبيا علاقات تاريخية ودينية ممتدة، باعتبارهما من أقدم دول وحضارات القارة الأفريقية.
وشكلت مملكة أكسوم محطة مهمة في التاريخ الإسلامي بعدما استقبل النجاشي المسلمين الأوائل الذين هاجروا من مكة هربًا من الاضطهاد عام 615 ميلاديًا.
كما اكتسبت إثيوبيا مكانة خاصة في الذاكرة الأفريقية بعد انتصارها على القوات الإيطالية في معركة عدوة عام 1896، التي أصبحت أحد أبرز رموز مقاومة الاستعمار الأوروبي في أفريقيا.
وعلى المستوى الديني، ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية لأكثر من 15 قرنًا مرتبطة بالكنيسة القبطية في الإسكندرية، قبل حصولها على استقلالها الكنسي عام 1959.
وامتدت العلاقات إلى المجال الدبلوماسي الأفريقي، إذ دعم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر اختيار أديس أبابا مقرًا لمنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، بدلًا من الإصرار على ترشيح القاهرة لاستضافة المنظمة.
وتشكل هذه الخلفية التاريخية أحد العوامل التي تجعل الوصول إلى مواجهة مباشرة بين الدولتين خيارًا بالغ الحساسية، إلى جانب إدراك الطرفين أن دفع الأزمة إلى نقطة لا تترك للطرف الآخر مجالًا للتراجع قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية واسعة.
ضغوط داخلية على القاهرة وأديس أبابا
ويواجه كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد حسابات سياسية داخلية تجعل التوصل إلى تسوية نهائية أكثر صعوبة.
فبالنسبة إلى أبي أحمد، قد يُنظر إلى توقيع اتفاق ملزم يفرض قيودًا على إدارة السد باعتباره تنازلًا عن السيادة، بعد سنوات من تقديم سد النهضة داخل إثيوبيا باعتباره مشروعًا قوميًا ورمزًا للاستقلال والتنمية.
وفي المقابل، فإن أي تراجع مصري عن المطالب المرتبطة بالأمن المائي قد يُفسر داخليًا باعتباره تنازلًا عن الحقوق والمصالح المائية المصرية.
وتجعل هذه الحسابات سيناريو إدارة الصراع لفترة طويلة، دون الوصول إلى اتفاق نهائي أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أحد الاحتمالات الرئيسية لاستمرار الأزمة.
تهديد للزراعة والأمن المائي المصري
وتواجه مصر بالفعل ضغوطًا مائية متزايدة، إذ انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة إلى نحو 500 متر مكعب سنويًا، بينما تبلغ حصة مصر المحددة في اتفاق مياه النيل المصري السوداني لعام 1959 نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا.
وفي المقابل، تُقدر الاحتياجات المائية المصرية الفعلية بما يتراوح بين 110 و120 مليار متر مكعب سنويًا، ما يدفع القاهرة إلى الاعتماد على مجموعة من الإجراءات لتعويض جانب من الفجوة المائية.
وتشمل هذه الإجراءات إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والتوسع في مشروعات المعالجة مثل محطة بحر البقر، إلى جانب تحلية مياه البحر وتطوير أنظمة الري والتوسع الزراعي ضمن مشروع الدلتا الجديدة.
وتوفر بحيرة ناصر خلف السد العالي مخزونًا مائيًا استراتيجيًا قابلًا للاستخدام يُقدر بنحو 90 مليار متر مكعب، بما يسمح لمصر بامتصاص صدمات مائية كبيرة لفترة تتراوح تقريبًا بين 18 شهرًا وثلاث سنوات.
لكن استمرار نقص تدفقات المياه لفترات طويلة قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، من بينها تراجع قدرة السد العالي على إنتاج الكهرباء، وزيادة تسرب المياه المالحة إلى المياه الجوفية في منطقة الدلتا، إلى جانب أضرار محتملة للقطاع الزراعي في الدلتا وصعيد مصر.
كما أن الاعتماد المتزايد على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي قد يرفع معدلات تراكم الأملاح في التربة على المدى الطويل إذا لم تتوافر عمليات كافية لغسل التربة وتصريف الأملاح، بما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية الزراعية.
وبذلك تمثل المشروعات المصرية الحالية وسائل لتعزيز القدرة على مواجهة الضغوط المائية وامتصاص الصدمات، لكنها لا تلغي بصورة نهائية مشكلة العجز المائي الهيكلي.
ثلاثة سدود إثيوبية جديدة تزيد المخاوف
وتتصاعد المخاوف المصرية مع إعلان إثيوبيا خططًا لإقامة ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، هي كارادوبي ومابيل وماندايا، ما يضيف بعدًا جديدًا إلى الخلاف بشأن مستقبل إدارة مياه النهر.
وكانت إثيوبيا قد اعتمدت بصورة أساسية على التمويل الذاتي لبناء سد النهضة، من خلال السندات ومساهمات الإثيوبيين في الخارج والموارد الداخلية، ما قلل من قدرتها على التأثر بالضغوط المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية.
ويطرح ذلك أمام القاهرة إمكانية استخدام أدوات مالية ودبلوماسية لمحاولة منع إقامة منشآت مائية جديدة دون اتفاق شامل ينظم إدارة النيل الأزرق.
ومن بين السيناريوهات المطروحة ممارسة ضغوط على الجهات الإقليمية المنخرطة في تمويل مشروعات البنية التحتية الإثيوبية، إضافة إلى استخدام النفوذ الأمريكي لدى مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للضغط باتجاه اتفاق ملزم.
ويستهدف هذا المسار دفع أديس أبابا إلى قبول إطار قانوني لا يقتصر على تشغيل سد النهضة، وإنما يمتد إلى إدارة المشروعات والسدود المستقبلية على النيل الأزرق.
لكن قدرة إثيوبيا على تمويل المشروعات الجديدة ذاتيًا، أو الحصول على دعم من ممولين دوليين آخرين، قد تحد من فاعلية الضغوط المالية وتفرض أمرًا واقعًا جديدًا.
إدارة الصراع بدلًا من حسمه
وفي ظل تعثر المفاوضات وارتفاع تكلفة المواجهة العسكرية وصعوبة تقديم تنازلات سياسية كبيرة من الجانبين، يبرز سيناريو استمرار إدارة الأزمة على المدى الطويل باعتباره أحد أكثر السيناريوهات ترجيحًا.
وفي هذا السيناريو، تتمسك كل من مصر وإثيوبيا بمواقفها الأساسية، مع محاولة تجنب الوصول إلى مواجهة مباشرة، والاستمرار في استخدام الأدوات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية للحد من المخاطر.
إلا أن تنفيذ السدود الإثيوبية الثلاثة الجديدة قد يمثل نقطة تحول في الأزمة، خصوصًا إذا أدى إلى تعزيز قدرة أديس أبابا على التحكم في تدفقات النيل الأزرق وتقليص هامش الحركة المتاح أمام القاهرة.
وفي هذه الحالة، قد يصبح استمرار الأزمة في إطار “الصراع المُدار” أكثر صعوبة، فيما ستتوقف الخيارات المصرية المستقبلية على مدى نجاح الأدوات الدبلوماسية والمالية في الوصول إلى اتفاق ملزم يحمي مصالحها المائية قبل فرض واقع جديد على النيل الأزرق.







