منزل هادئ بين تلال كاندي: كيف تحول منفى عرابي بسريلانكا لمزار يحيي تاريخ مصر المنسي؟

بيت أبيض هادئ في تلال “كاندي”.. كيف تحوّل منفى أحمد عرابي في سريلانكا إلى مزار يعيد كتابة فصل منسي من تاريخ مصر؟، فقد أنتشر فيديو لمدونة رحلات مصرية يشعل مواقع التواصل بعد كشفه عن “بيت مصري” مجهول في قلب سريلانكا.. وخلف بابه الأبيض حكاية ثائر لم يكسره المنفى
في زاوية هادئة من مدينة “كاندي” السريلانكية، حيث تتشابك أشجار الغابات الاستوائية مع منازل من الطراز الاستعماري القديم، وقفت المدونة والرحالة المصرية شيماء نبيل كامل، صاحبة حساب “shayma.n.k.traveler” على إنستجرام وفيسبوك، أمام بيت أبيض بسيط تعلوه سقيفة خضراء، لتفتح بكاميرتها بابًا على واحدة من أكثر حكايات المنفى إيلامًا وإلهامًا في تاريخ مصر الحديث.
الفيديو، الذي حمل عنوانًا مزدوجًا باللغتين العربية والإنجليزية: “في قلب سيرلانكا.. بيت مصري” و “A quiet house in Sri Lanka holds a secret from Egypt’s history”، لم يمض عليه وقت طويل حتى تحوّل إلى حديث متابعي الصفحة، بعدما كشفت المدونة أن هذا المنزل الهادئ الذي “لا يبعد حتى عن كونه مزارًا سياحيًا معروفًا”، كما تقول في مستهل كلامها، هو في الحقيقة بيت الزعيم أحمد عرابي خلال سنوات منفاه الطويلة بعيدًا عن وطنه.
“كان من أكثر الأماكن التي أثارت فضولي”
تبدأ شيماء رحلتها في الفيديو بجملة تلخص دافعها للبحث عن هذا المكان: إنه من أكثر الأماكن التي أثارت فضولها في سريلانكا، رغم أنه لا يحظى بالشهرة السياحية التي تحظى بها معالم الجزيرة الأخرى. وبين المشاهد، تنتقل الكاميرا من واجهة المنزل ذي الطابقين بنوافذه الخشبية وأعمدته البيضاء، إلى تمثال نصفي برونزي لرجل يرتدي “الطربوش” الأحمر، منتصب على قاعدة رخامية كُتب عليها بالعربية والإنجليزية: “متحف عرابي باشا في كاندي”، إلى جانب لوحة نحاسية أخرى تحمل اسم المكان الرسمي: “مركز عرابي باشا الثقافي- سفارة جمهورية مصر العربية في سريلانكا”.
وتوضح الكتابة المحفورة على النصب أن المتحف افتُتح رسميًا عام 1983 بحضور الرئيس السريلانكي الأسبق جاياوردينا، وبمشاركة وفد مصري ضم وزير الدولة للثقافة آنذاك، ممثلاً عن الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وذلك في عهد سفير مصر بسريلانكا حينها.
من هو صاحب هذا البيت؟ ولماذا انتهى به المطاف في سريلانكا؟
الإجابة التي يقدمها الفيديو مباشرة وبوضوح: “هذا هو منزل أحمد عرابي”، أحد أبرز الشخصيات في تاريخ مصر الحديث، وقائد أول ثورة وطنية مصرية ضد الاستبداد الداخلي والاحتلال البريطاني الزاحف على البلاد في أواخر القرن التاسع عشر.
فأحمد عرابي (1841-1911)، ابن الفلاح المصري من محافظة الشرقية الذي التحق بالجيش وتدرّج فيه حتى قاد “الثورة العرابية” عام 1881 احتجاجًا على التمييز بين الضباط المصريين ونظرائهم من الأتراك والشراكسة، وعلى سياسات الخديو توفيق التي كانت ترهن مصر لإنجلترا وفرنسا. تصاعدت الأزمة حتى قصف الأسطول البريطاني مدينة الإسكندرية في يوليو 1882، وانتهت المواجهة بهزيمة القوات المصرية في معركة التل الكبير في سبتمبر من العام نفسه، لتُفرض على البلاد سنوات طويلة من الاحتلال البريطاني.
بعد المحاكمة، لم يُعدم عرابي كما كانت التوقعات، لكن الحكم البريطاني اختار له عقوبة أخرى: النفي إلى جزيرة سيلان، التي تُعرف اليوم باسم سريلانكا. وكما يقول الفيديو في أحد أكثر مشاهده تأثيرًا، بصوت هادئ فوق مشاهد لممر شجري صامت يقود إلى المنزل: “لم يكن يعرف كم سنة سيمضيها.. لا ثروة ولا وطن، بل بيت هادئ تبعد عنه آلاف الأميال”.
وبحسب مصادر تاريخية، وصل عرابي إلى سيلان في 10 يناير 1883 على متن الباخرة “ماريوتيس” بعد رحلة بحرية من ميناء السويس، برفقة عدد من رفاقه في الثورة، أبرزهم الشاعر والقائد العسكري محمود سامي البارودي. وقضى في المنفى نحو 18 عامًا متواصلة، توزعت بين العاصمة كولومبو أولًا، ثم مدينة كاندي التي عاش فيها الجانب الأكبر من سنوات غربته، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى مصر عام 1901 بعدما تدهورت حالته الصحية، ليتوفى بعدها بعشر سنوات في القاهرة عام 1911.
أثر خفي تركه المنفي المصري في قلب الجزيرة
من أكثر ما يلفت في الفيديو أنه لا يكتفي بسرد قصة المنفى، بل يشير إلى الأثر الذي تركه عرابي في المجتمع السريلانكي نفسه، إذ تقول شيماء في أحد المقاطع: “ترك بصمة في تاريخ بلده”. وتذهب روايات محلية سريلانكية إلى أبعد من ذلك، إذ يُنسب إلى عرابي إدخال “الطربوش” والزي المصري إلى الجزيرة، فضلًا عن دوره في تشجيع مسلمي سريلانكا على تعلّم اللغة الإنجليزية وتحديث التعليم الديني بينهم، بعدما كان هو نفسه قد تعلّمها خلال رحلته من السويس إلى المنفى. ولا يزال منزله في كاندي حتى اليوم نقطة التقاء لمثقفي الجزيرة المسلمين، ومركزًا لتدريس اللغة العربية وإقامة الفعاليات الثقافية المصرية- السريلانكية المشتركة، إلى جانب احتفال سنوي يقيمه المركز لإحياء ذكرى وصول عرابي إلى الجزيرة.
وتؤكد لقطات الفيديو الأخيرة هذا الرابط التاريخي بين البلدين، حين تصور الكاميرا علمي مصر وسريلانكا يرفرفان جنبًا إلى جنب فوق النصب التذكاري، بينما تُختتم الكلمات المصاحبة للمشهد بجملة موجهة لكل من ناضل من أجل وطنه: “من ناضلوا من أجل وطنك”.
فيديو بسيط.. وسؤال أكبر
ما بدأ كفيديو قصير من مدونة سفر مصرية تستكشف “بيتًا هادئًا” في بلد آسيوي بعيد، تحوّل سريعًا إلى تذكير جماعي بفصل من تاريخ مصر قلّما يتطرق إليه المنهج الدراسي أو الإعلام بالتفصيل: حكاية زعيم ثورة مصرية أُبعد عن بلاده لثمانية عشر عامًا، ليجد صدى لنضاله على بُعد آلاف الكيلومترات، في بيت أبيض بسيط ما زال قائمًا حتى اليوم يحمل اسمه ويروي قصته لكل من يمر أمام بابه.







