
يمثل احتجاز جثامين الفلسطينيين من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في الصراع بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط لما ينطوي عليه من مساس بكرامة الموتى وحق العائلات في دفن أبنائها وفق معتقداتها وتقاليدها، وإنما أيضًا لما ارتبط به، على امتداد عقود، من تساؤلات حول طريقة التعامل مع الجثامين أثناء الاحتجاز، وإجراء التشريح، والاحتفاظ بالأنسجة والأعضاء، ثم تجدد الادعاءات منذ حرب غزة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 بشأن احتمال نزع أعضاء من بعض الجثامين التي أعيدت إلى القطاع. وتكمن الصعوبة القانونية والإثباتية في أن هذا الملف يجمع بين وقائع متفاوتة بصورة كبيرة في درجة ثبوتها؛ فهناك من جهة سياسة رسمية إسرائيلية موثقة تسمح باحتجاز جثامين فلسطينيين واستخدامها لأغراض تفاوضية، وهناك من جهة ثانية سجل تاريخي مثبت لنزع أنسجة وأجزاء من جثث فلسطينيين وإسرائيليين وغيرهم في معهد أبو كبير للطب الشرعي من دون الحصول على موافقة عائلاتهم، في حين تبقى الادعاءات الأكثر خطورة بشأن وجود برنامج إسرائيلي حالي ومنهجي لقتل الفلسطينيين أو احتجاز جثامينهم بقصد حصاد الأعضاء والجلود والاتجار بها غير مثبتة حتى الآن بالمعايير الطبية والقضائية التي تسمح بتحويل الشبهة إلى حقيقة جنائية (1)(2)(3).
والفصل بين هذه المستويات ليس تقليلًا من خطورة الادعاءات، وإنما شرط ضروري لبناء ملف قانوني قابل للصمود. فالخلط بين واقعة مثبتة وادعاء يحتاج إلى تحقيق قد يؤدي إلى إضعاف القضية كلها، بينما يتيح التمييز الدقيق تحديد الالتزامات القانونية التي تنشأ عن كل واقعة على حدة. كما أن السجل التاريخي للمخالفات في معهد أبو كبير يجعل المطالبة بتحقيق مستقل في الادعاءات الجديدة مشروعة وضرورية، لكنه لا يصلح وحده دليلًا على استمرار الممارسة نفسها بعد عقود. ومن ثم فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يصاغ على النحو الآتي: «هل تسرق إسرائيل أعضاء الفلسطينيين؟»، وإنما بصورة أكثر دقة: ما الذي ثبت بشأن احتجاز الجثامين ونزع الأنسجة؟ وما الذي لا يزال في مستوى الادعاء؟ وما المعايير التي تسمح بإثبات نزع عضو أو نسيج من جثمان؟ وما المسؤوليات التي يمكن أن تترتب إذا أثبت التحقيق وقوع ذلك بصورة غير مشروعة؟
احتجاز الجثامين: من إجراء أمني إلى أداة تفاوضية
ليست سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين ممارسة خفية أو مجرد رواية حقوقية فلسطينية؛ إذ توجد لها أسس وقرارات رسمية إسرائيلية واضحة. وقد اكتسبت السياسة الحديثة شكلها الأكثر تحديدًا مع قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية في الأول من يناير/كانون الثاني 2017 بشأن التعامل مع جثامين من تصفهم السلطات الإسرائيلية بمنفذي الهجمات. قامت السياسة المعلنة أساسًا على إعادة الجثامين وفق شروط أمنية مرتبطة بالجنازات، لكنها استثنت بعض الفئات، ولا سيما الأشخاص المنتمين إلى حركة حماس أو من اعتبرت عملياتهم ذات خطورة استثنائية، بحيث يمكن الاحتفاظ بجثامينهم والاستفادة منها في مفاوضات تهدف إلى استعادة إسرائيليين أو رفات جنود تحتجزهم الفصائل الفلسطينية. وانتقل الجدل سريعًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في قضية Alian v. Commander of IDF Forces in the West Bank، حيث قررت هيئة من المحكمة في ديسمبر/كانون الأول 2017 أن المادة 133(3) من أنظمة الدفاع للطوارئ لسنة 1945 لا تمنح القائد العسكري تفويضًا صريحًا وكافيًا لاستخدام الجثامين في المفاوضات، ومنحت الدولة فرصة لإنشاء أساس تشريعي واضح لهذه السياسة (4). غير أن هيئة موسعة من سبعة قضاة عادت في 9 سبتمبر/أيلول 2019، بأغلبية أربعة مقابل ثلاثة، ونقضت الاتجاه السابق، معتبرة أن المادة نفسها تسمح للقائد العسكري بالدفن المؤقت لجثامين من تصنفهم السلطات «أعداء» أو «إرهابيين» لأسباب تتعلق بالأمن، بما في ذلك استخدامها في مفاوضات لاستعادة جنود أو مواطنين إسرائيليين (5).
وازداد الأساس الداخلي للسياسة مع تعديل قانون مكافحة الإرهاب في مارس/آذار 2018، بما منح الشرطة الإسرائيلية صلاحيات تسمح بتأخير تسليم بعض الجثامين وفرض شروط تتعلق بترتيبات الجنازة، وهي صلاحيات أقرت إسرائيل نفسها بها في تقاريرها المرفوعة إلى هيئات الأمم المتحدة (6). غير أن الاعتراف الداخلي بالسلطة لا يحسم توافقها مع القانون الدولي. ففي ملاحظاتها الختامية لعام 2022، أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بصورة صريحة عن قلقها من احتجاز جثامين فلسطينيين واستخدامها وسيلة ضغط لاستعادة جثامين إسرائيليين، ومن فرض شروط مالية وتنظيمية على تسليمها، وذهبت إلى أن حرمان الأسر من دفن موتاها قد يبلغ، بحسب الظروف، حد العقاب الجماعي أو التعذيب وسوء المعاملة، وطالبت إسرائيل بمراجعة التشريع وإعادة الجثامين إلى عائلاتها (7). وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 كررت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب المطلب نفسه، داعية إلى إعادة جثامين الفلسطينيين غير المسلمة إلى ذويهم في أقرب وقت ممكن، بالتوازي مع دعوتها إلى تحقيقات مستقلة في حالات الوفاة أثناء الاحتجاز والاستعانة ببروتوكول مينيسوتا في التحقيقات الطبية الشرعية (8).
واللافت أن نطاق السياسة اتسع في السنوات الأخيرة. فقد أيدت المحكمة العليا في سبتمبر/أيلول 2024 استمرار احتجاز جثمان الأسير الفلسطيني وليد دقة، الذي توفي في أبريل/نيسان 2024، لأغراض مرتبطة بالمفاوضات المستقبلية، رغم كونه مواطنًا فلسطينيًا يحمل الجنسية (الإسرائيلية). ثم أيدت المحكمة في يناير/كانون الثاني 2025 سياسة أوسع تسمح باستمرار احتجاز جثامين فلسطينيين من (مواطني إسرائيل)، وفي يوليو/تموز من السنة نفسها أجازت استمرار احتجاز جثمان الفتى وديع عليان، البالغ أربعة عشر عامًا، لأغراض تفاوضية (9، 10). وفي المقابل، أظهرت قضية خالد حسن في مايو/أيار 2026 أن القضاء قد يأمر بإعادة الجثمان عندما تعجز الدولة عن تقديم أساس كاف لاستمرار احتجازه (11). وهذه التطورات تؤكد أن النزاع لم يعد يتعلق بحالات استثنائية محدودة، بل بسياسة تتفاعل فيها قرارات الحكومة مع التشريع وتفسير المحكمة العليا ومفهوم الدولة للقيمة التفاوضية للجثمان.
وتشير البيانات الفلسطينية إلى اتساع الظاهرة بصورة كبيرة بعد حرب غزة. ففي أغسطس/آب 2026 قالت الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء إنها وثقت 800 جثمان فلسطيني محتجز في المشارح الإسرائيلية وما يعرف بـ«مقابر الأرقام»، في حين أشارت تقارير أخرى إلى أعداد أكبر عندما تضاف إليها جثامين أخذت من قطاع غزة ولم تدخل بعد في السجل الفردي للحملة. وينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها صادرة عن جهات فلسطينية توثيقية وليست سجلًا رسميًا إسرائيليًا مستقلًا، لكن الأهم قانونيًا أن أصل ممارسة الاحتجاز والغرض التفاوضي منها لا يحتاجان إلى الاستدلال بهذه الأرقام، لأنهما ثابتان أصلًا في قرارات الحكومة وأحكام القضاء الإسرائيلي نفسه (12).
من معهد أبو كبير إلى «بنك الجلد»: ضرورة الفصل بين الوقائع والادعاءات
يقود ملف الجثامين إلى القضية الأكثر حساسية: الادعاءات المتعلقة بنزع الأعضاء والأنسجة. وهنا ينبغي التمييز ابتداءً بين وجود «بنك الجلد الوطني الإسرائيلي» وبين المخالفات التاريخية التي وقعت في معهد أبو كبير. فبنك الجلد مؤسسة طبية حقيقية وموثقة في الأدبيات العلمية، وقد تأسس سنة 1986 بمشاركة سلاح الطب في الجيش الإسرائيلي ووزارة الصحة. وتوضح دراسة علمية منشورة في مجلة Cell and Tissue Banking أن الغرض الأساسي منه هو تخزين الجلد البشري واستخدامه في علاج ضحايا الحروق، ولا سيما في ظروف الحرب والكوارث والإصابات الجماعية، مع وضع بروتوكولات لجمع الجلد ومعالجته وحفظه واختبار صلاحيته للزرع (13). وبالتالي فإن مجرد وجود مخزون من الجلد البشري أو مؤسسة تسمى «بنك الجلد» لا يحمل في ذاته دلالة جنائية؛ فبنوك الجلد موجودة في أنظمة صحية عديدة وتستخدم الطعوم الجلدية المأخوذة من متبرعين متوفين لعلاج الحروق الشديدة.
أما القضية المختلفة فهي الممارسات التي وقعت تاريخيًا داخل معهد أبو كبير للطب الشرعي. ففي مقابلة أجرتها الباحثة الأمريكية نانسي شيبر-هيوز مع مدير المعهد السابق يهودا هِس سنة 2000، ثم نُشرت تفاصيلها على نطاق واسع في 2009 بعد بثها في التلفزيون الإسرائيلي، أقر هِس بأن المعهد كان يأخذ قرنيات وأنسجة من الجثث خلال التسعينيات من دون الحصول على موافقة العائلات. ووفق التقرير التلفزيوني الذي نقلته صحيفة The Guardian، شملت الأنسجة التي أخذت الجلد والقرنيات والعظام وصمامات القلب، وكانت الجثامين تعود إلى فلسطينيين وإسرائيليين وجنود وعمال أجانب. كما أكد الجيش الإسرائيلي في حينه أن هذه الممارسة وقعت تاريخيًا، مع قوله إنها توقفت قبل سنوات. لكن المصدر ذاته شدد على نقطة جوهرية: لم يكن هناك دليل يثبت الادعاء المختلف والقائل إن فلسطينيين كانوا يُقتلون بغرض أخذ أعضائهم (14). وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالثابت هو نزع أنسجة من جثث من دون موافقة، ومن بينها جثامين فلسطينية، أما القتل بقصد حصاد الأعضاء فهو ادعاء أشد خطورة يحتاج إلى سلسلة إثبات مختلفة تمامًا.
ولهذا لا يصح دمج واقعة أبو كبير مباشرة في قصة «بنك الجلد». فوجود بنك الجلد مثبت، ووقوع نزع أنسجة دون موافقة في أبو كبير مثبت تاريخيًا، لكن لا تتوافر أدلة أولية موثوقة تسمح بالقول إن البنك الوطني أُنشئ أو استُخدم كمنظومة لتخزين جلد الفلسطينيين المنتزع بصورة غير مشروعة. ولا يكفي في هذا المجال الاستدلال بحجم المخزون أو شهرة البنك؛ إذ لا يمكن إثبات مصدر مادة بيولوجية من الحجم وحده، وإنما من سجلات المتبرعين، والموافقات، وأرقام العينات، وتواريخ الاستخراج، وسلسلة انتقال الأنسجة من الجثمان إلى بنك الأنسجة ثم إلى المستشفى أو الباحث المستفيد. وهذا هو الخط الفاصل بين الاستدلال السياسي والإثبات الجنائي.
بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 عادت الشبهات إلى الواجهة مع احتجاز القوات الإسرائيلية جثامين أخذ بعضها من مستشفيات ومواقع في قطاع غزة ثم إعادة عدد منها لاحقًا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى تحقيق دولي مستقل في شبهات نزع أعضاء بعد أن نقل عن أطباء فلسطينيين ملاحظات بشأن فقد قرنيات وقواقع وأعضاء من بعض الجثامين المعادة. لكن التقرير نفسه تضمن تحفظًا بالغ الأهمية، إذ نقل عن أطباء في غزة أن الفحص السريع للجثامين لا يمكنه وحده إثبات نزع الأعضاء أو نفيه، خصوصًا مع وجود إصابات انفجارية شديدة وعمليات جراحية سابقة، وفي ظل عدم إمكان إجراء تشريح كامل ومنهجي أثناء الحرب (15). ولذلك فإن هذه الشهادات تصلح سببًا لفتح تحقيق وحفظ الأدلة، لكنها لا تصلح في وضعها الحالي أساسًا للجزم بأن عملية حصاد أعضاء قد وقعت، فضلًا عن إثبات وجود سياسة مؤسسية أو تجارة منظمة.
وهنا تظهر أهمية ضبط المصطلحات. «نزع عضو» لا يساوي بالضرورة «الاتجار بالأعضاء»، كما أن «نزع نسيج» لا يساوي دائمًا «نزع عضو» بالمعنى التشريعي. فالجلد يصنف عادة بوصفه نسيجًا، بينما تقدم اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الاتجار بالأعضاء البشرية تعريفًا متخصصًا يجرّم، بالنسبة للدول الأطراف فيها، نزع عضو من شخص حي أو متوفى من دون الموافقة أو الإذن الذي يفرضه القانون، كما يجرّم صورًا تتصل بالحصول على منفعة مالية من النزع (16). والاتجار بالأشخاص لغرض نزع الأعضاء، في المقابل، جريمة مختلفة تقوم على التعامل مع الشخص الحي عبر الاستقطاب أو النقل أو الإيواء أو الاستغلال بغرض نزع العضو. ولذلك فإن وصف أي نزع مزعوم من جثمان بأنه «اتجار بالبشر» قد يكون غير دقيق من الناحية القانونية، حتى إذا ثبت لاحقًا أن عملية نزع غير قانونية وقعت.
التكييف القانوني يبدأ من الجثمان لكنه لا ينتهي عنده
يمنح القانون الدولي الإنساني الموتى حماية مستقلة. وتؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي التي جمعتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضرورة احترام الموتى، وحظر سلب الجثث أو تشويهها، وتسهيل إعادة رفات الموتى وممتلكاتهم الشخصية عند الإمكان، ودفنهم بصورة لائقة واحترام قبورهم وتحديد هوياتهم (17). وتشمل هذه المنظومة القواعد 113 إلى 116 المتعلقة بمعاملة الموتى وإعادة الرفات والدفن وتحديد الهوية. ولذلك فإن أخذ عضو أو نسيج من جثمان بصورة متعمدة وغير مشروعة في سياق نزاع مسلح لا يمثل مجرد مسألة تتعلق بقوانين زرع الأعضاء؛ فقد يشكل، بحسب عناصر الفعل والنية وصلته بالنزاع، اعتداء على كرامة الموتى أو تشويهًا محظورًا، ويمكن في ظروف معينة أن يدخل ضمن نطاق جرائم الحرب المنصوص عليها في نظام روما الأساسي. لكن احتجاز الجثمان في حد ذاته لا يساوي تلقائيًا جريمة حرب، كما أن كل تشريح لا يمثل انتهاكًا؛ إذ قد يكون التشريح الطبي الشرعي مشروعًا إذا استند إلى أساس قانوني وكان ضروريًا للتحقيق واحترم الضمانات ذات الصلة.
أما في مجال حقوق الإنسان، فتقع المعاناة الأساسية على الأسرة. فالميت لا يشعر بالألم بعد الوفاة، لكن الاحتفاظ بجثمانه فترة طويلة، ومنع الأسرة من معرفة مصيره أو دفنه، أو إخضاع التسليم لشروط قاسية، يمكن أن يخلق معاناة نفسية شديدة لأقاربه. ولهذا لم تحصر لجنة حقوق الإنسان تقييمها في «حق الميت» فقط، وإنما اعتبرت أن حرمان العائلات من الدفن قد يثير مسائل تتعلق بالمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، فضلًا عن احتمال بلوغه صورة من صور العقاب الجماعي (7). كما كررت لجنة مناهضة التعذيب في 2025 ضرورة التحقيق المستقل في الوفيات وإعادة الجثامين، بما يؤكد أن المسألة تجمع بين احترام الموتى وحقوق ذويهم وواجب التحقيق في أسباب الوفاة (8).
والانتقال إلى توصيف أشد، مثل الجريمة ضد الإنسانية، يحتاج إلى إثبات عناصر إضافية. فلا يكفي أن يكون احتجاز الجثامين متكررًا أو أن تكون بعض الوقائع قاسية؛ بل يجب أن يقع الفعل المؤهل قانونًا في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، وأن يكون مرتكب الفعل على علم بهذا السياق، وفق شروط المادة السابعة من نظام روما الأساسي. وبالمثل، فإن إثبات نزع أعضاء من بعض الجثامين، لو وقع، لا يعني تلقائيًا وجود جريمة ضد الإنسانية أو سياسة للاتجار بالأعضاء. يتعين إثبات النمط، والجهة التي اتخذت القرار، والغرض، وعدد الحالات، والسجلات المؤسسية، والعلاقة بين الوقائع، ثم تحديد الشخص المسؤول جنائيًا.
ولهذا فإن الطب الشرعي هو الحلقة الحاسمة التي تفصل الشبهة عن الإثبات. ويقدم بروتوكول مينيسوتا للأمم المتحدة بشأن التحقيق في حالات الوفاة التي يحتمل أن تكون غير مشروعة معيارًا عمليًا لذلك؛ إذ يستلزم التحقيق المستقل توثيق هوية الجثمان، وتصويره قبل التشريح، وتوثيق الملابس والأختام والجروح والشقوق، والاستعانة بالتصوير الشعاعي أو المقطعي عند الإمكان، ثم إجراء تشريح منهجي يسجل الأعضاء والأنسجة الموجودة والمفقودة، وأخذ عينات للفحوص النسيجية والسمية، ومقارنة النتائج بالسجلات الطبية والعمليات الجراحية السابقة (18). ويؤكد البروتوكول أيضًا أهمية الحفاظ على كرامة المتوفى وضمان استقلال الطبيب الشرعي عن الجهة التي قد تكون موضع التحقيق.
غير أن إثبات أن عضوًا قد أزيل لا يثبت وحده «سرقته» ولا يحدد وجهته. فالإثبات الكامل يحتاج إلى طبقة مؤسسية أخرى من الأدلة: سجلات التشريح، وأسماء الأطباء، واستمارات الموافقة، ورقم العينة، وسجل بنك الأنسجة، وتاريخ دخول المادة وخروجها، واسم المستشفى أو المختبر المستفيد، وأي فواتير أو مراسلات مالية مرتبطة بها. كما ينبغي أن تحفظ العينات وفق سلسلة حيازة دقيقة تتيح إثبات مكانها ومن تعامل معها في كل مرحلة. ولهذا يمكن للتحقيق الجنائي أن يصل إلى إحدى نتائج متعددة: عضو لم يوجد بسبب الإصابة الأصلية؛ عضو أزيل أثناء عملية علاج سابقة؛ عضو أزيل أثناء تشريح مشروع؛ عضو أزيل بلا إذن بصورة غير قانونية؛ أو عضو أزيل ثم نُقل أو استُخدم لأغراض أخرى. الفرق بين هذه الاحتمالات لا تحدده الصورة أو الشبهة، بل الدليل الطبي وسجلات التتبع.
المساءلة: قوة الملف في دقته لا في اتساع الاتهام
تبدأ الاستراتيجية القانونية الفعالة بإنشاء قاعدة بيانات مركزية لكل جثمان فلسطيني محتجز أو أعيد بعد الاحتجاز، بحيث تتضمن الهوية، وآخر وقت شوهد فيه الشخص حيًا، ومكان الوفاة أو الاعتقال، والجهة التي كانت تسيطر عليه، وتاريخ إبلاغ الأسرة، وطلبات استعادة الجثمان، وأوامر القضاء، وصور الجثمان عند الاستلام، ونتائج فحص الحمض النووي والتصوير الطبي والتشريح، وأي اختلاف موثق بين حالته قبل دخوله في حيازة السلطات الإسرائيلية وبعد إعادته. وينبغي طلب حفظ جميع السجلات ذات الصلة في معهد أبو كبير وبنوك الأنسجة والمستشفيات ومنع إتلاف العينات أو التخلص منها إلى أن تتاح مراجعتها بواسطة خبراء مستقلين. فالهدف ليس إثبات نتيجة مقررة سلفًا، بل إيجاد سلسلة أدلة تستطيع إثبات الادعاء أو دحضه.
ويظل قضاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم الانتقادات الموجهة إلى اجتهاداته بشأن احتجاز الجثامين، مسارًا عمليًا للحصول على أوامر بالكشف عن مكان الجثمان وإعادته وحفظ العينات وتسليم تقارير التشريح والسماح بمشاركة طبيب شرعي مستقل. كما يمكن دوليًا تقديم الملفات إلى هيئات الأمم المتحدة المختصة، ومنها لجنة حقوق الإنسان ولجنة مناهضة التعذيب والمقرران الخاصان بالتعذيب وبحالات الإعدام خارج القضاء، فضلًا عن لجنة التحقيق الدولية المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة. أما المحكمة الجنائية الدولية، فلها اختصاص إقليمي في الحالة الفلسطينية يشمل قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وفق قرار الدائرة التمهيدية الصادر في فبراير/شباط 2021، مع بقاء ضرورة إثبات أن الفعل المحدد يدخل ضمن جريمة من الجرائم المنصوص عليها في نظام روما وربطه بمسؤول جنائي فردي (19).
كما يمكن استخدام الولاية القضائية العالمية في الدول التي تسمح قوانينها الوطنية بالتحقيق في جرائم الحرب والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية عندما يتوافر مشتبه به أو دليل أو صلة اختصاصية كافية. غير أن نجاح هذه المسارات يتوقف على الانضباط الإثباتي. فملف «احتجاز الجثامين» قوي لأن السياسة والغرض التفاوضي مثبتان بوثائق إسرائيلية وأحكام قضائية وتقارير أممية. وملف «أبو كبير» قوي تاريخيًا في إثبات نزع أنسجة من جثث من دون موافقة، ومن بينها جثامين فلسطينية. أما ملف «حصاد الأعضاء الحالي» فلا يزال يحتاج إلى أدلة طبية ومؤسسية مستقلة. دمج الملفات الثلاثة في اتهام واحد دون هذه التفرقة قد يجعل الجزء الأضعف منها وسيلة للطعن في الجزء الأقوى.
خاتمة
إن أكثر ما يكشفه ملف الجثامين الفلسطينية هو أن احترام كرامة الإنسان لا ينتهي بموته. فالجثمان ليس ملكًا للدولة التي تحتجزه، ولا ينبغي أن يتحول إلى ورقة مساومة سياسية أو وسيلة لمعاقبة الأسرة أو موضوعًا لعمليات طبية غير خاضعة للمساءلة. وتدل الأحكام الإسرائيلية نفسها على أن احتجاز الجثامين سياسة رسمية ذات غرض تفاوضي، بينما ترى هيئات أممية أن هذه الممارسة تثير اعتراضات جدية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ويمكن أن تمس حظر العقاب الجماعي وسوء المعاملة. أما القانون الدولي الإنساني فيفرض احترام الموتى وحمايتهم من التشويه والسلب والسعي إلى تحديد هوياتهم وإعادة رفاتهم ودفنهم باحترام.
في الوقت نفسه، فإن قوة القضية القانونية تستوجب مقاومة الإغراء الذي يدفع إلى تجاوز الأدلة. لقد ثبت أن معهد أبو كبير أخذ في التسعينيات جلدًا وقرنيات وعظامًا وأنسجة أخرى من جثامين من دون موافقة عائلاتها، وكان بين أصحاب هذه الجثامين فلسطينيون. وثبت كذلك وجود بنك الجلد الوطني الإسرائيلي واستخدامه لأغراض علاجية. لكن لا يوجد، في المصادر الموثوقة المتاحة حتى الآن، دليل كاف يسمح بالانتقال من هاتين الحقيقتين إلى القول إن بنك الجلد يمثل جزءًا من برنامج حالي ممنهج لنزع جلد الفلسطينيين، أو أن السلطات الإسرائيلية تقتل فلسطينيين بقصد حصاد أعضائهم، أو أن هناك شبكة مثبتة للاتجار بأعضاء الجثامين المحتجزة.
ولا تعني هذه الفجوة الإثباتية أن الادعاءات الجديدة ينبغي تجاهلها؛ بل العكس. فالسجل التاريخي المثبت، واحتجاز جثامين بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشهادات أطباء بشأن جثامين أعيدت في ظروف تثير الشبهة، كلها أسباب كافية للمطالبة بتحقيق دولي طبي شرعي مستقل. لكن التحقيق المطلوب يجب أن يبدأ من بروتوكول مينيسوتا وسلسلة الحيازة وسجلات التشريح وبنوك الأنسجة، لا من الاستنتاج المسبق. فإثبات أن عضوًا مفقود لا يكفي؛ المطلوب معرفة متى فُقد، وكيف، ومن أزاله، ولماذا، وإلى أين انتقل.
لهذا فإن الصياغة القانونية والإعلامية الأقوى تميز دائمًا بين ثلاث فئات: واقعة مثبتة، وادعاء تدعمه مؤشرات ويحتاج إلى تحقيق، وادعاء لم يثبت. هذا التمييز لا يخفف المسؤولية، بل يبنيها على أساس أكثر صلابة. وفي ملف شديد الحساسية مثل احتجاز الجثامين ونزع الأعضاء، قد يكون الانضباط في تحديد ما نعرفه وما لا نعرفه هو الطريق الأقصر لتحويل الشبهة إلى دليل، والدليل إلى مساءلة، والمساءلة إلى حماية حقيقية لكرامة الفلسطيني حيًا وميتًا.
المراجع
(1) المواد القضائية والحقوقية الواردة في الملف الأساسي المتعلق باحتجاز جثامين الفلسطينيين ونزع الأعضاء والأنسجة.
(2) International Committee of the Red Cross, Customary International Humanitarian Law Database, Rules 113–116, Treatment of the Dead, Return of Remains, Disposal and Accounting for the Dead.
(3) Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, The Minnesota Protocol on the Investigation of Potentially Unlawful Death (2016), United Nations, New York and Geneva, 2017.
(4) Supreme Court of Israel, Alian v. Commander of IDF Forces in the West Bank, HCJ 4466/16, Judgment of 14 December 2017.
(5) Supreme Court of Israel, Military Commander v. Alian, HCJFH 10190/17, Judgment of 9 September 2019.
(6) State of Israel, Sixth Periodic Report to the Committee against Torture, CAT/C/ISR/6, section concerning the return of bodies of deceased Palestinians and Amendment No. 3 to the Counter-Terrorism Law.
(7) United Nations Human Rights Committee, Concluding Observations on the Fifth Periodic Report of Israel, CCPR/C/ISR/CO/5, 5 May 2022, paras. 32–33.
(8) United Nations Committee against Torture, Concluding Observations on the Sixth Periodic Report of Israel, CAT/C/ISR/CO/6, 22 December 2025.
(9) Adalah – The Legal Center for Arab Minority Rights in Israel, “Israeli Supreme Court Approves the Withholding of Walid Daqqa’s Body as a Bargaining Chip,” 30 September 2024.
(10) Adalah, “Israel’s Supreme Court Allows Continued Withholding of 14-Year-Old Palestinian Child Wadia Elyan’s Body,” 4 August 2025.
(11) Adalah, “Israeli Supreme Court Orders State to Return Body of Deceased Palestinian Citizen of Israel,” 18 June 2026.
(12) National Campaign for the Retrieval of Martyrs’ Bodies and Palestinian Prisoners’ Club, documentation concerning Palestinian bodies withheld by Israel, August 2026.
(13) Ben-Bassat, H., Chaouat, M., Zumai, E., Segal, N., Cinamon, U., Ron, M., Wexler, M.R., and Eldad, A., “The Israel National Skin Bank: Quality Assurance and Graft Performance of Stored Tissues,” Cell and Tissue Banking, Vol. 1, No. 4, 2000, pp. 303–312, DOI: 10.1023/A:1010183719662.
(14) Ian Black, “Doctor Admits Israeli Pathologists Harvested Organs Without Consent,” The Guardian, 21 December 2009.
(15) Euro-Med Human Rights Monitor, “Int’l Committee Must Investigate Israel’s Holding of Dead Bodies in Gaza,” 26 November 2023.
(16) Council of Europe, Convention against Trafficking in Human Organs, CETS No. 216, Santiago de Compostela, 25 March 2015, especially Article 4.
(17) International Committee of the Red Cross, Jean-Marie Henckaerts and Louise Doswald-Beck, Customary International Humanitarian Law, Volume I: Rules, Cambridge University Press/ICRC, 2005, Rules 113–116.
(18) Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, Minnesota Protocol on the Investigation of Potentially Unlawful Death (2016), HR/PUB/17/4, 2017.
(19) International Criminal Court, Pre-Trial Chamber I, Situation in the State of Palestine, Decision on the Prosecution Request Pursuant to Article 19(3) for a Ruling on the Court’s Territorial Jurisdiction in Palestine, ICC-01/18, 5 February 2021.







