كارثة جوية تضرب السودان.. السيول تدمر عشرات المنازل وتشرد 63 أسرة

تصاعدت أزمات نزوح الأسر جراء السيول والفيضانات في مناطق جنوب كردفان وشمال دارفور بفعل موجات المياه المدمرة التي ضربت الإقليمين السودانيين مؤخرا وأدت لخسائر مادية وبشرية فادحة أثقلت كاهل الأهالي، وأسفرت عن تشريد مئات الأفراد وسط ظروف إنسانية معقدة تتطلب تدخلا عاجلا وشاملا لاحتواء التداعيات المتسارعة على كافة المستويات والقطاعات الخدمية والمعيشية دون تأخير.
شهدت قرية العطافة الواقعة ضمن نطاق محافظة التضامن بولاية جنوب كردفان تشريد تسع وأربعين أسرة كاملة وتدمير مساكنها بصورة تامة لا تقبل الشك، بعد أن داهمتهم السيول الجارفة فجأة ودون إنذار مسبق، مما دفع السكان للفرار نحو العراء بحثا عن الأمان المفقود في ظل غياب تام لأي مقومات أساسية للحياة الكريمة وتوقف تام لسبل العيش.
تضررت البنية التحتية والمساكن بشكل بالغ ومروع أسفر عن تدمير تسع وأربعين مسكنا بصورة كلية بينما لحقت أضرار جزئية بنحو ثمانية وثلاثين منزلا إضافيا في ذات المنطقة المنكوبة، وهو ما ضاعف من حجم المعاناة اليومية للأهالي الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها بلا مأوى يقيهم حر الشمس وبرد الليل القارس في هذه المناطق النائية.
تحركت الأسر المنكوبة نحو مناطق وملاجئ مؤقتة ومفتوحة داخل النطاق الجغرافي ذاته وسط ظروف معيشية بالغة القسوة والصعوبة والانعزال عن العالم الخارجي، محاولين بناء خيام بسيطة من البلاستيك والأعواد الخشبية البسيطة لعلها تقيهم غائلة الزمن وتوفر حدا أدنى من الخصوصية والأمان لأطفالهم ونسائهم في مواجهة هذه المحنة القاسية والمفاجئة.
تداعيات السيول في شمال دارفور
تكررت المشاهد المأساوية ذاتها بشكل مطابق داخل مدينة كبكابية بولاية شمال دارفور نتيجة الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة التي اجتاحت الأحياء السكنية الفقيرة، وأحدثت دمارا هائلا في الممتلكات الخاصة والعامة، مما أدى إلى قطع الطرق وعزل المناطق المتضررة تماما عن محيطها الخارجي وتوقف الحركة التجارية بشكل شبه كامل ومقلق للغاية.
أحصت فرق المتابعة الميدانية نزوح أربع عشرة أسرة جديدة بعد انهيار أربع عشرة وحدة سكنية بشكل كامل تحت وطأة المياه الجارفة والعنيفة غير القابلة للمقاومة، حيث تحولت المنازل الطينية إلى ركام متناثر وسط المياه الراكدة التي غطت الشوارع والأزقة وقطعت سبل التواصل بين مختلف الأحياء والمربعات السكنية في المدينة المنكوبة.
تعرضت تسع وعشرون وحدة إيواء أخرى لأضرار متفاوتة الدقة والخطورة دفعت السكان المتضررين للبحث عن مآو مؤقتة تحميهم من قسوة العراء والأمطار المتواصلة، مع تزايد المخاوف الحقيقية من تفشي الأمراض والأوبئة المرتبطة بتلوث المياه واختلاطها بمخلفات الصرف الصحي ومياه السيول الراكدة بين مخيمات النازحين المؤقتة.
التزمت الجهات الرسمية المسؤولة الصمت التام حيال الكارثة المناخية التي داهمت الولايتين خلال الساعات الماضية دون إصدار أي بيانات توضيحية رسمية للرأي العام، مما أثار حالة من الاستياء الشعبي الواسع النطاق وسط اتهامات بالتقصير في إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية المتكررة التي تضرب البلاد سنويا دون خطط مواجهة استباقية.
ظروف مناخية وصراع مسلح
امتدت الأضرار المادية لتشمل رقعة واسعة من البلاد التي تواجه موسم خريف قاسيا يمتد زمنيا بانتظام من شهر يونيو وحتى شهر أكتوبر من كل عام ميلادي، وهو الموسم الذي يشهد عادة معدلات هطول مطري عالية تتسبب في فيضانات مدمرة تجرف كل ما تقف في طريقها من مبان الطرق والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية.
تتواصل الهطولات المطرية الغزيرة بشكل مفرط لتصنع فيضانات عارمة تجتاح مختلف المحافظات والأقاليم بلا استثناء ولا طاقة للمواطنين المحاصرين على احتمالها نهائيا، وسط عجز تام للمؤسسات المحلية عن تقديم الدعم اللوجستي والإغاثي الفوري للمتضررين الذين باتوا يواجهون مصيرهم بمفردهم دون سند أو معين حقيقي.
تتضافر الكوارث الطبيعية الحالية مع لهيب الصراع المسلح الدائر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المتواصل باحتدام منذ شهر أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين، وهو الصراع الذي دمر مقومات الدولة وأنهك الاقتصاد الوطني وجعل البلاد عاجزة تماما عن توفير أبسط مقومات الصمود أمام التحديات المناخية المتلاحقة.
أدى هذا الصدام المسلح المدمر إلى تقويض قدرة المؤسسات الوطنية على مجابهة تداعيات السيول واحتواء تضرر آلاف العائلات المنكوبة ومواجهة الأزمات المعيشية المصاحبة، حيث تعطلت طرق الإمداد الرئيسية وتضررت الجسور والممرات الحيوية التي تعتمد عليها قوافل الإغاثة الإنسانية في الوصول إلى المحتاجين في مختلف الولايات والمناطق المنكوبة.
سجل السودان واحدة من أكبر معدلات النزوح القسري على مستوى العالم أجمع نتيجة تدمير البنية التحتية وتناوب الأزمات المناخية والنزاعات المسلحة المستمرة بلا توقف، الأمر الذي تحول إلى مأساة إنسانية مزمنة تستدعي تحركا دوليا جادا وفاعلا لوقف النزيف المستمر وحماية المدنيين العزل من قسوة الظروف والكوارث.
تستمر التداعيات الخطيرة في تصاعد مستمر بينما تواصل المنظمات الإنسانية مساعيها المحدودة لاحتواء الكارثة وسط حاجة ماسة لدعم دولي عاجل ومستدام لعمليات الإيواء، قبل أن تنفجر الأوضاع الإنسانية بشكل كامل وتحول إلى كارثة كبرى تهدد حياة ملايين السكان المحاصرين بين نار الحرب وجحيم الطبيعة القاسية.







