مقالات وآراء

معتز الفجيري يكتب: هل انتهت الفكرة الليبرالية؟

صدر هذا العام كتابان بالإنكليزية عن أزمة الليبرالية في مواجهة خصومها، لم يحظيا بالاهتمام في النقاشات العربية: “الوسط الثوري: العبقرية المفقودة لليبرالية” للاقتصادي البريطاني في منصة بلومبيرغ أدريان وولدردج، و”ماذا حدث للديمقراطية الليبرالية” للأكاديمي التركي الأميركي، والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، دارون أسيموغلو. يقدّم الكتابان تشخيصاً سياسيّاً وتاريخيّاً واقتصاديّاً لصعود التيارات المعادية لليبرالية، خصوصاً في المجتمعات الغربية الديمقراطية، خلال العقدين الأخيرين.

وعلى عكس كتابات حالية كثيرة تنتهي بالتشاؤم حول مستقبل الفكرة الليبرالية في عالم متسارع في عبثيته السياسية، يناقش الكتابان منظوراً تجديدياً لإنقاذ القيم الملهمة التي قامت عليها الليبرالية من ورطتها السياسية الراهنة. حيث تتلخص الأطروحة المشتركة للكتابين في أن أزمة الليبرالية اليوم لا تعني إفلاس فكرتها بقدر ما تعني حاجتها إلى مراجعة نفسها وإعادة صياغة علاقة الدولة بالفرد والمجتمع والسوق، وإصلاح المؤسّسات الديمقراطية التي تتوسّط بين الأفراد ونخب الحكم.

لا يوجد تعريف واحد جامع مانع لليبرالية، فقد بدأت تتبلور تاريخياً منذ القرن السابع عشر في كنف تقاليد فلسفية واتجاهات سياسية واقتصادية متنوّعة تتراوح بين اتجاه محافظ اقتصادياً يقوم على مركزية الملكية الفردية وحرية السوق واتجاه تطور لاحقاً في القرن التاسع عشر يوازن بين حريات الأفراد السياسية والاقتصادية وحماية العدالة والإنصاف في المجتمع.

وربما هذا ما يعطي الليبرالية الحيوية والقدرة على التجدّد، حيث إنها لا تقدم إجابة حتمية قطعية للمجتمع المثالي، بقدر ما تصوغ مجموعة من القيم والمؤسسات لإدارة العلاقات بين الأفراد بما يحمي حرياتهم الفردية، وطاقاتهم الإبداعية.

مثل عقد السبعينيات بداية صعود جاذبية الليبرالية نموذج الديمقراطية الليبرالية، ملتقية مع حقوق الإنسان الدولية بالتزامن مع مسلسل انهيار يوتوبيا اليسار على حد قول المؤرخ الأميركي صمويل مويان في كتابه عن تاريخ حقوق الإنسان “اليوتوبيا الأخيرة”، وتحول معارضين سياسيين كثيرين داخل الكتلة الشرقية، وأميركا اللاتينية لاحقا، بمن فيهم اليسار الراديكالي لاستخدام إطار الليبرالية وحقوق الإنسان في مواجهة الاستبداد السوفييتي أو اليميني العسكري.

في الوقت نفسه، كانت الليبرالية تشهد تحولاً مهماً على الصعيد الفلسفي في حقبة التمرّدين، السياسي والفكري، لمرحلة ما بعد حرب فيتنام وثورات الشباب في الدول الغربية، تمثل في كتابات الفيلسوف الليبرالي الأميركي الأشهر في القرن العشرين جون رولز الذي قدّم دفاعاً فلسفيّاً مجرّداً عبر مؤلفيه “نظرية في العدالة” و”الليبرالية السياسية” على التكامل بين الحريتين السياسية والاقتصادية والعدالة الاجتماعية، في إطار ترتيبات مؤسّسية تحمي الانصاف وتكافؤ الفرص بين الأفراد، فضلاً عن دفاعه عن تحجيم السوق، وتدخل المال في السياسة، وأهمية الليبرالية في كونها وسيلة لإدارة واقع الاختلافات الأيديولوجية والدينية والتنوع في المجتمعات بشكل سلمي وواقعي.

الأزمة السياسية التي تواجهها الليبرالية حقيقية، ولها من المسببات الموضوعية، والتي ينبغي التعامل معها لإنقاذها

لكن هذا النموذج الإنساني والاجتماعي من الليبرالية، والذي يدافع عنه في صياغات مختلفة كل من وولدردج وأسيموغلو، توارى في فترة نشوة الانتصار على الاتحاد السوفييتي، وتركزت الليبيرالية علي اقتصاد السوق. ومع الوقت حدثت تصدعات في مؤسّسات الديمقراطية الغربية، بحيث انعزلت نخب السياسة عن مطالب الطبقات الاجتماعية المختلفة، وحدثت تحولات نوعية للطفرة التكنولوجية في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية، والعولمة، وتقليص دور الدولة، وتوحّش الشركات وتزايد قدراتها على حساب أدوار الدولة، بما لكل من هذه العوامل من تأثيرات اجتماعية على طبقة العمّال والمزارعين، والقطاعات المتضرّرة من الطبقة الوسطى، والذين استدرج كثيرون منهم للدعاية اليمينة والشعبوية وتبلورت تهديدات غير مسبوقة من داخل الغرب الليبرالي نفسه.

وعلى الصعيد الدولي، لم يعد الغرب، أو الولايات المتحدة بشكل خاص، وما يمثلانه أيديولوجيا، صاحبي النفوذ في النظام الدولي أمام صعود روسيا والصين، وكتلة الجنوب العالمي. ومن اللافت التقاء كثيرين من منتقدي الليبرالية في الشمال والجنوب بعضهم مع بعض في منطلقاتٍ كثيرة تستخدم لتبرير أفول الديمقراطية الليبرالية وإفلاسها.

وتكفي هنا الإشارة إلى محتوى الخطاب السياسي لرئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان في يوليو/ تموز 2014، والذي دافع فيه عن الديمقراطية غير الليبرالية، والتي من وجهة نظره تقوم على مركزية الدولة والسيادة، والتقاليد المجتمعية والدينية، وعلو المجتمع على الفرد، منتقداً ما يعتبره تفكك المجتمعات الليبرالية نتيجة هيمنة النزعات الفردانية.

وهو خطاب مدفوع بخط سياسي يسعى للهيمنة على الدولة، ودغدغة مشاعر الجموع، إلا أن هذا النقد ليس جديداً؛ فعلى المستوى الفكري تعرضت الليبرالية لانتقاداتٍ مماثلةٍ شهيرة في أعمال السياسي والمفكر الأيرلندي إدموند بيرك في نهاية القرن الثامن عشر، رائد الفكر المحافظ الحديث، والذي عُرف بعدائه للثورة الفرنسية وفلسفات العقد الاجتماعي، والحقوق الطبيعية، والفيلسوف الاسكتلندي المسيحي ألسدير ماكنتاير في النصف الثاني من القرن العشرين، وكلاهما انتقدا فكرة الفردانية والحقوق المجردة بمعزل عن المجتمع وتقاليده، واتهما الليبرالية بتدمير روابط المجتمع.

الأزمة السياسية التي تواجهها الليبرالية حقيقية، ولها من المسببات الموضوعية، والتي ينبغي التعامل معها لإنقاذها كما يسعى مشروع وولدردج وأسيموغلو، لكن منتقديها، خصوصاً من أقصى اليمين وأقصى اليسار لم يقدّموا بديلاً سوى الترويج في المحصلة النهائية لدولة قومية أكثر سلطوية، أو سياسة قائمة على الدين والتقاليد أو استبداد أغلبية بلا ضمانات حقوقية، فالنقد لا يعني تقديم رؤية سياسية بديلة متماسكة.

وقد علمنا فشل التجارب الديمقراطية القصيرة في الدول العربية، مصر وتونس، أن البقاء في ظل ترتيبات الديمقراطية الليبرالية، والتعايش المؤقت مع بعض الاختلالات الاقتصادية أو الاجتماعية مع القدرة التدريجية في كشفها والتعامل معها وإصلاحها قد يكونان أفضل كثيراً من استمرار هذه الاختلالات وتضخمها في ظل استبداد سياسي يكمم الفرد ويصادر حرياته.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى