
الليبرالية المصرية.. إرث أم مشروع ظهر عقب ثورة 19 وأعاقته الظروف عن الاكتمال ولم يكتمل بعد
لم تكن الليبرالية المصرية مجرد فكرة وافدة من الخارج، بل ارتبطت بمعارك الاستقلال والدستور والمواطنة والمشاركة السياسية، وارتبطت باسم اثنين من الزعماء سعد باشا زغلول ومصطفى النحاس باشا، حيث بدأت الليبرالية في مصر خلال القرن التاسع عشر بجهود رواد الإصلاح والتحديث، وبلغت ذروتها في العصر الليبرالي بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923 الذي أرسى حياة ديمقراطية وتعددية حزبية، ثم تراجعت بعد عام 1952 بسبب تغيرات سياسية.
وتحل علينا ذكرى رحيل الزعيمين اللذين ناضلا من أجل حرية مصر وكرامتها، ويعد الزعيم المصري سعد زغلول رائد الليبرالية والدستورية في مصر الحديثة، حيث ربط بين الاستقلال الوطني وبين إقامة نظام ديمقراطي يحمي حقوق المواطنين ويقوم على الدستور والفصل بين السلطات.
ولم تكن سيرة الزعيمين مجرد صفحات من تاريخ الحركة الوطنية المصرية، بل تركا أثرًا كبيرًا في تاريخ مصر الحديثة، ولكن هل ما زالت أفكارهما حاضرة؟
ومع مرور عقود طويلة على نضالهما، يبقى السؤال: ماذا تبقى من الفكر الليبرالي في الذاكرة الوطنية اليوم، وهل الليبرالية المصرية إرث أم أنه مشروع لم يكتمل؟
الليبرالية وتقبل المجتمع
قال شريف عارف القيادي الوفدي إن الفكرة الليبرالية التي قدمها حزب الوفد، أو تحديدًا لو جاز التعبير هو الوفد المصري، لأن الوفد المصري في الأساس هو هيئة شعبية قبل أن يكون حزبًا سياسيًا، وبالتالي هو خرج من رحم الأمة، وهو موكل بذلك من الأمة المصرية في أول حملة توقيعات في تاريخ مصر الحديث، وربما في تاريخ يومنا هذا.
وأوضح عارف أن فكرة الليبرالية هي مدى قبول المجتمع لفكرة التحرر، وبالتالي هذه الفكرة لم تكن تعني بقدر كبير إنهاء الاحتلال بقدر ما هو الاستقلال، لافتًا إلى أنه هنا يجب التفرقة بين أمرين: الأمر الأول هو الاستقلال، والأمر الثاني هو إنهاء الاحتلال.
الليبرالية بين الاحتلال والاستقلال
وتابع أن مستوى الليبرالية مرتبط بشكل كبير بمسألة الاستقلال، لأن هناك دولًا مستقلة، وربما تكون في بعض الأحيان تحت احتلال، ضاربًا مثلًا بسيطًا بتصريح 28 فبراير 1922، مصر استقلت ولكنها كانت تحت الاحتلال، والمقصود هنا بالاستقلال هو استقلال القرار بقدر الإمكان، أيضًا فكرة الاستقلال عن الآخر، وإذا لو نظرنا إلى فكرة التمصير مثلًا على سبيل المثال، فكرة الاستقلال الاقتصادي وهذه تحققت بشكل كبير بالمناسبة ومصر تحت الاحتلال، وفكرة الاستقلال الاجتماعي، فكرة أن تكون هناك رؤى اجتماعية محددة بعيدًا عن الرؤى الغربية.
ماذا تبقى من ليبرالية الوفد؟
أشار إلى أن ما تبقى من ليبرالية الوفد، قائلًا: “للأسف مجموعة أفكار، وهذه الأفكار هي مجرد عناوين مثلها مثل غيرها الكثير من الأفكار في مصر، تأثرت بشكل كبير بتغيرات اجتماعية وسياسية، ربما في أهمها الطغيان الكبير للإسلام السياسي وسيطرته لأكثر من نصف قرن، وكل ذلك أثر على الليبرالية المصرية وأثر على ليبرالية الوفد نفسها”.
ثورة 1919.. انقلاب مجتمعي
ولفت إلى أن فكرة النهضة المجتمعية بالدرجة الأولى التي قدمها الوفد هي نتيجة لفعل ثوري، لأن الثورة هي فكرة انقلاب مجتمعي، وثورة 1919 كانت بمثابة انقلاب مجتمعي أثرت بشكل كبير على مناحٍ كثيرة، منها مثلًا صناعة الدستور الوطني، فكرة الاستقلال، فكرة الحرية بالنسبة للمرأة مثلًا على سبيل المثال، خروج أول مظاهرة في مارس (16 مارس 1919)، ثم تحول هذه الفكرة إلى تنظيمات، ربما ظهرت في الاتحاد النسائي المصري عام 1923، وظهرت في لجان تتبع الوفد المصري منها اللجنة السعدية للسيدات، منها أيضًا فيما بعد لجنة سيدات الوفد في الأربعينيات، وحتى فكرة أن يكون هناك الحزب النسائي المصري، أيضًا مجموعة كبيرة من النساء فرضن أنفسهن على الواقع الفعلي في الواقع المصري، منهن السيدة هدى شعراوي، ودرية شفيق، وفاطمة نعمت راشد، وسيزا نبراوي وغيرهن. كل هذا لم يكن مقبولًا قبل 1919.
وأكد أن فكرة الليبرالية مرتبطة بمدى قدرة المجتمع على التغيير، وحينما تقل هذه القدرة، فكرة الليبرالية أيضًا تضعف، تضعف بشكل كبير.
هل ما زالت مفاهيم زي الدولة المدنية وتداول السلطة وحقوق المواطنين حاضرة في الخطاب السياسي اليوم؟
أوضح أن فكرة الدولة المدنية هي مدى الإيمان بهذه الأفكار، هل نحن نطرح الدولة المدنية كعناوين أم نطرحها عن طريق إيمان وقناعات؟ هل هناك قناعات فعلية بالدولة المدنية؟ هل هناك قناعات فعلية بالمواطنة؟ هل هذا يحدث بالفعل فعلًا؟ نعم هناك جهود، إنما هل المجتمع نفسه مؤمن بذلك؟، لافتًا إلى أن الإسلام السياسي أثر تأثيرًا كبيرًا وأحدث خروقات جسيمة في جسد المجتمع المصري، وبالتالي حدث تغير المفاهيم وخاصة فيما يتعلق بالدولة المدنية والتي تحتاج إلى سنوات وتحتاج إلى تغيير في الثقافة.
فيما يتعلق بمفهوم المواطنة، لفت إلى أن بعض الإجراءات، مثل نظام الكوتة، قد تستهدف في الأساس دعم مبدأ المواطنة، إلا أن استمرارها وتحولها إلى مسار دائم داخل العملية السياسية يمثل مشكلة، خاصة إذا لم تؤدِ هذه الاستثناءات إلى تحقيق تطور حقيقي، مؤكدًا أن الهدف ينبغي أن يكون تجاوز الحاجة إلى هذه الإجراءات، لأن استمرارها دون تقدم يعني أنها لم تحقق الغرض منها، كما أن الأمر يرتبط كذلك بمستوى الثقافة العامة السائدة حول مفهوم الدولة المدنية والحرية.
شدد أن مفهوم الحرية نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف وتقييم، متسائلًا: هل حرية الرأي تعني حرية الحديث فقط، أم حرية طرح الأفكار، أم تمتد إلى السب أو تجاوز الخطوط الحمراء؟ مؤكدًا أن تحديد حدود الحرية وممارستها يحتاج إلى نقاش مجتمعي أكثر وضوحًا.
مستقبل الليبرالية
واستنكر عارف أن المجتمع يعاني حاليًا حالة من اللوسة والهذيان وعدم القدرة على التفكير بصورة موضوعية، إلى جانب غياب رؤية واضحة للمستقبل، فلا يمكن الحديث عن قضايا حرية والناس في أولًا وأخيرًا تبحث عن لقمة العيش، ولقمة العيش في حالة طردية مع الحرية، لأن لقمة العيش هي نفسها نفس فكرة الاستقلال، الدول لا تبحث عن الحرية وهي غير مستقلة.
واختتم القيادي الوفدي حديثه قائلًا: “الليبرالية المصرية هي بكل المقاييس مشروع لم يكتمل بعد، ومستقبلها يرتبط بمدى إيمان المجتمع بها وتغيير الصورة الذهنية السائدة عنها، خاصة في ظل ربطها أحيانًا بالانحلال والقدرة على فعل أي شيء، وترسيخ الليبرالية يتطلب نشر ثقافة سياسية ومجتمعية حقيقية، بدلًا من الاعتماد على العناوين والشخصيات المؤثرة فقط، محذرًا من سهولة تأثر الرأي العام بما تطرحه الشخصيات العامة ومواقع التواصل دون تقييم موضوعي للأفكار والمواقف”.
الفكر الليبرالي.. الامتداد الأوسع للفكر الوفدي
وقال عبدالعزيز الشناوي أمين التدريب والتثقيف بحزب العدل، إنه في ذكرى رحيل سعد زغلول ومصطفى النحاس، نحن لا نستعيد شخصيات من الماضي بقدر ما نستعيد جزءًا هامًا من الذاكرة السياسية والوطنية المصرية، فالفكر الوفدي، وفي امتداده الأوسع الفكر الليبرالي المصري، بما حمله من إيمان بالدستور والإرادة الشعبية والمواطنة والدولة المدنية وحق المصريين في المشاركة السياسية، ترك أثرًا يتجاوز حدود الحزب كتنظيم سياسي تاريخي، إلى تأسيس اتجاه سياسي مصري دافع عن مدنية الدولة، ووضع أسس دولة الدستور والمواطنة واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة.
وأشار الشناوي إلى أنه لا تزال هذه المفاهيم حاضرة في الخطاب السياسي المصري إلى اليوم، وإن كانت بدرجات مختلفة، لأن الدستور والدولة المدنية والمواطنة وتداول السلطة وحقوق المواطنين ليست أفكارًا مرتبطة بعصر بعينه، وإنما هي أسس لأي حياة سياسية مستقرة.
وأوضح أن التحدي الحقيقي الآن ليس في ترديد هذه المفاهيم، وإنما في تحويلها إلى ممارسة سياسية ومؤسسية راسخة في بنية الدولة والمجتمع المدني، وفي القلب منه الأحزاب السياسية.
الليبرالية المصرية ليست إرثًا وليست مشروعًا مكتملًا
وتابع أنه من هذا المنطلق، فإن الليبرالية المصرية في تقديره ليست مجرد إرث نحتفي به في المناسبات، وليست أيضًا مشروعًا يمكن القول إنه اكتمل، وإنما هي تجربة وطنية لها جذور عميقة منذ مطلع القرن الماضي، وستظل مشروعًا وطنيًا مفتوحًا يحتاج إلى التجديد والتطوير، والقدرة على التكيف مع واقع المجتمع والدولة المصرية في القرن الحادي والعشرين.
السياسة ليست مجرد صراع على السلطة
وأضاف أن أهم ما يمكن أن نتعلمه من تجربة سعد زغلول ومصطفى النحاس، هو أن السياسة في جوهرها ليست مجرد صراع على السلطة، وإنما هي دفاع عن حق المواطن في أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء دولته، وأن تكون الدولة فوق الأشخاص، والدستور فوق الأهواء، وأن تكون الإرادة الشعبية هي المصدر الأساسي للشرعية السياسية.
واختتم حديثه قائلًا: “المطلوب اليوم ليس استعادة تجربة سعد زغلول ومصطفى النحاس، وإنما استعادة روحها الديمقراطية بما يتناسب مع مصر الآن وتحدياتها داخليًا وخارجيًا، حتى نتمكن من استكمال المشروع الليبرالي المصري، وصولًا إلى الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تستحقها مصر وشعبها”.
التجارب الديمقراطية الحديثة
أكدت الدكتورة وفاء صبري رئيسة حزب الدستور أن الليبرالية المصرية إرث موجود، لأنها عرفت قبل 1952، وكان لدينا حياة سياسية ليبرالية، وأحزاب، وحراك سياسي، والزعيم سعد زغلول كان من ضمن أعلام الحركات السياسية، وعندما يطالب المصريون بدولة مدنية ديمقراطية، فبالتأكيد ما يتداول في الأذهان التجارب الديمقراطية الحديثة، بالإضافة إلى الإرث المصري الذي توجد فيه الممارسة السياسية الديمقراطية سابقًا.
وأضافت أن مصر لم تكن الأمثل في الليبرالية، لأنها لم تكن دولة مستقلة، وكان يوجد احتلال إنجليزي، لكن حتى في ظل أوضاع ما قبل 1952، كان يوجد ممارسات ديمقراطية أفضل كثيرًا مما بعد 1952.
وتابعت أنه مع انفتاح العالم وتطور وسائل الاتصال، أصبح الجميع، حتى رجل الشارع العادي، أكثر اطلاعًا على ما يحدث من حوله، وهو ما يجعل المجتمع أكثر وعيًا بالتجارب السياسية المختلفة.
وأضافت أن الأمر لم يعد متعلقًا فقط بالحفاظ على الإرث السياسي، بل أصبح المصريون يرون نماذج الدول الديمقراطية وكيف تدار الممارسة السياسية، وتحدد الحقوق والواجبات بوضوح، إلى جانب ضمان الحريات العامة ودور الأحزاب السياسية واستحقاقات المواطنين، وهي جميعها ممارسات باتت واضحة وضوح الشمس أمام الجميع من خلال التجارب الديمقراطية والليبرالية حول العالم.
التجربة الوفدية.. تجربة فريدة
وحول ما تبقى من الليبرالية أوضحت أن المتبقي هي التجربة الوفدية بالتأكيد لأنها كانت تجربة فريدة ومميزة، والجميع يعلم هذا الجزء من تاريخ مصر، إذ كان تاريخًا مشرفًا للنضال الوطني السياسي، لكننا أصبحنا بعيدين كل البعد تمامًا عن حتى ما كان متاحًا وقت ما قبل 1952، مؤكدة أن الليبرالية المصرية إرث، ولكنها مشروع لم يكتمل أيضًا.
البحث عن إصلاح حقيقي
وأعربت عن أمنيتها في ظل الأزمات المتواجدة على المستوى السياسي والاقتصادي، أن يصبح ذلك حافزًا لمراجعات للوضع السياسي الحالي، لإيمانها بأن الإصلاح الحقيقي لن يحدث إلا بتوحيد الجبهة الداخلية والقضاء على الانشقاق والغضب وانعدام الثقة بالحكومة.
واختتمت حديثها قائلة: “كل الأزمات اللي بنمر بها والمشاكل الجيوسياسية التي تحاوطنا، جميعها أسباب قوية جدًا أن يتم مراجعة الوضع الحالي، وفتح المجال العام، وإتاحة فعل ممارسة سياسية حقيقية، وهذا من مصلحة الدولة، ومصلحة المواطنين، ومصلحة الحكومة”.







