الجيزة تنزع ملكية 37 قطعة أرض بمقابل 540 مليون جنيه

تهيمن أزمة التوسع العمراني في محافظات الجمهورية على المشهد المحلي في ظل تصاعد موجة قرارات نزع الملكية الحكومية التي تستهدف مئات العقارات والأراضي لصالح مشاريع الطرق والكباري والمنشآت الخدمية الجديدة. وأصدرت الوزارة المسؤولة عن التنمية المحلية والبيئة قرارا رسميا يقضي بالاستيلاء الجبري على قطع أراض وعقارات واقعة ضمن نطاق محافظة الجيزة. وجاءت هذه الخطوة التنفيذية بعد امتناع ملاك تلك العقارات عن تقديم المستندات الثبوتية والتوقيع على نماذج نقل الحيازة الرسمية، مما دفع الأجهزة الإدارية إلى فرض إجراءات قسرية لتسريع وتيرة العمل قبل انتهاء المهل القانونية المحددة في شهر أغسطس.
كواليس الغضب المحلي تشتعل بسبب قرارات نزع الملكية الحكومية في المحافظات
تتوزع تفاصيل القرارات الصادرة على سبع وثلاثين قطعة أرض موزعة بانتظام بين مناطق ناهيا وصفط اللبن ومركز أوسيم لتنفيذ محاور مرورية واسعة. ويهدف هذا التوجه الهندسي إلى شق محور مروري حيوي جديد يمتد لمسافة خمسة كيلومترات لربط محور السادس من يوليو بطريق المنشية. وأوضحت المذكرة الإيضاحية أن المحافظ طالب في السادس من يوليو الماضي بالإسراع في إصدار التوجيهات التنفيذية بعد تخلف المواطنين عن تسليم المستندات المشهرة، وذلك تفاديا لبطلان قرار المنفعة العامة الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء برقم ثلاثة آلاف ومائة وواحد وعشرين لسنة ثلاثة وعشرين والفين، والذي تنتهي مهلته القانونية خلال شهر أغسطس الجاري وفقا لقوانين الشهر العقاري.
تتولى الهيئة العامة للمساحة تقدير التعويضات المالية المستحقة لصالح الأهالي المتضررين لتصل القيمة الإجمالية المرصودة إلى نحو خمسمائة وأربعين مليون جنيه مصري. ويتم إيداع القرار لدى مكاتب الشهر العقاري المختصة لنقل الملكية قانونيا وإتاحة صرف التعويضات المالية للمستحقين تباعا. ويأتي هذا التصعيد امتدادا لتقارير بحثية صادرة في شهر فبراير الماضي عن مؤسسة ديوان العمران، والتي رصدت ارتفاعا ملحوظا في معدلات الاستيلاء على الأراضي الخاصة خلال عام خمسة وعشرين والفين لصالح مشروعات البنية التحتية والنقل والمواصلات التي استحوذت وحدها على النسبة الأكبر من إجمالي المساحات المنزوعة.
تفاصيل التوسع العمراني ومساحات الأراضي المستولى عليها
تتوزع المساحات المستولى عليها على مستوى المحافظات لتسجل الإسكندرية المرتبة الأولى بأكثر من خمسمائة وسبعين ألف متر مربع من إجمالي مساحات منزوعة بلغت نحو مليونين ونصف المليون متر مربع خلال العام الماضي أثرت بشكل مباشر على حياة آلاف المواطنين. وتليها المحافظات الكبرى مثل القاهرة والدقهلية والقليوبية والجيزة بمساحات تراوح بين مائتي ألف وثلاثمائة ألف متر مربع لكل منها وفقا للتقارير الرسمية الموثقة. وتعاني مناطق عدة مثل طوسون من نزع مئات المنازل لصالح تنفيذ أعمال الطريق الدائري، فضلا عن الاستحواذ على برج لؤلؤة الإسكندرية لإنشاء منشأة سياحية كبرى على أراضي الساحل.
تتعالى مطالبات المتضررين من ضعف التعويضات المالية المقدمة والتي لا تتناسب نهائيا مع القيم السوقية الحالية للعقارات والأراضي المنزوعة، فضلا عن تأخر صرف المستحقات لفترات زمنية طويلة تفقدها قيمتها الشرائية. وتتفاقم أزمة التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية لتضع ملاك الأراضي أمام واقع قاسي يهدد استقرارهم المعيشي والاجتماعي دون وجود قنوات حوار واضحة ومستدامة بين المواطنين وأجهزة الحكم المحلي. وتقود هذه السياسات إلى حالة من الاحتقان المجتمعي المتزايد نتيجة غياب التعويض العادل والسريع الذي يكفل للمواطنين شراء بدائل سكنية أو استثمارية مماثلة لما تم نزعه.
تداعيات الازمات المعيشية وضغوط التعويضات المالية
تتواصل العمليات الهندسية الميدانية في مختلف الميادين والمحافظات بالتوازي مع إصدار المزيد من قرارات النزع التي تشمل آلاف الأمتار المربعة وتتسبب في تهجير وتضرر مئات الأسر المحلية بحسب الاحصائيات الرسمية. وتؤكد مصادر مطلعة أن الحكومة ماضية قدما في خطط التطوير الشامل لشبكة الطرق والمواصلات بغض النظر عن العقبات القانونية والمالية التي تواجه الأجهزة التنفيذية في ملف التعويضات. وتواجه الوزارات المعنية تحديات كبرى في إقناع المواطنين بجدوى المشروعات القومية في ظل استمرار الشكاوى المتكررة من بطء الإجراءات الإدارية وتعسف بعض الجهات المحلية في التعامل مع ملف الملكيات الخاصة.
تتأزم الأوضاع المعيشية للملاك في ظل غياب الرؤية الواضحة لآليات تسعير الأراضي والعقارات المنزوعة لصالح المنفعة العامة وفقا لتقديرات الجهات المختصة. وتسعى الهيئات الحكومية إلى احتواء الغضب المتصاعد عبر وعود متكررة بسرعة صرف التعويضات المالية المقررة في أقرب وقت ممكن عقب إتمام إجراءات الشهر العقاري. وترتبط هذه الإجراءات القسرية بتوجيهات عليا تهدف إلى إنجاز شبكة الطرق القومية في المواعيد المحددة لها دون الالتفات إلى الاعتراضات الفردية والجماعية للمتضررين.
تستمر الحكومة في تنفيذ مخططاتها العمرانية وسط انتقادات واسعة لآليات قرارات نزع الملكية الحكومية التي باتت تمثل عبئا إضافيا على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والصعبة. وتتطلب المرحلة الحالية إعادة نظر شاملة في القوانين المنظمة للمنفعة العامة لضمان حقوق الأفراد وتحقيق التوازن بين مصلحة التنمية العمرانية وحماية الملكيات الخاصة من التعسف الإداري والقسري. وتؤكد البيانات الرسمية والبحثية أن معدلات نزع الأراضي في تزايد مستمر مما يستوجب وضع آليات شفافة لتقدير التعويضات وصرفها في مواعيد محددة ودقيقة لضمان الاستقرار الاجتماعي العام.
استمرار نزع الملكيات بالجيزة.. الدولة تلتهم 37 عقاراً بناهيا وصفط اللبن وتحتجز تعويضات بـ 540 مليون جنيه
في حلقة جديدة من مسلسل التوسع في قرارات نزع الملكية بحجة “المنفعة العامة”، أصدرت وزيرة التنمية المحلية والبيئة، منال عوض، قراراً بنزع ملكية عدد من الأراضي والعقارات في محافظة الجيزة لصالح إنشاء محور مروري يربط بين محور 26 يوليو وطريق المنشية، متجاهلة حالة الغضب المتصاعدة بين الأهالي المهددين بفقدان مساكنهم ومصدر رزقهم.
كواليس القرار وسباق مع الزمن
يأتي هذا القرار ليشمل 37 قطعة أرض موزعة على مناطق ناهيا، صفط اللبن، ومركز أوسيم، على امتداد نحو 5 كيلومترات. وكشفت المذكرة الإيضاحية للقرار أن التحرك الوزاري جاء بناءً على ضغوط من محافظ الجيزة للإسراع بالحصول على الأراضي، متذرعاً بامتناع الملاك عن تقديم مستندات الملكية والتوقيع على نماذج النقل القسري.
وجاء هذا الإجراء ليمثل سباقاً مع الزمن قبل انتهاء المهلة القانونية المقررة في 10 أغسطس الجاري، طبقاً لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3121 لسنة 2023، لتفادي سقوط قرار المنفعة العامة وفقاً للقانون الذي يعتبره “كأن لم يكن” حال عدم إيداع نماذج التنازل خلال ثلاث سنوات.
تعويضات هزيلة لا تناسب الأسعار الحالية
في محاولة لتجميل القرار، زعمت وزارة التنمية المحلية أن الهيئة العامة للمساحة قدرت التعويضات الإجمالية بنحو 540 مليون جنيه للمستحقين. ورغم ضخامة الرقم ظاهرياً، إلا أنه يعكس هوة ساحقة بين التقديرات الحكومية والواقع السوقي؛ إذ يشكو أصحاب الأراضي والعقارات المصادرة من أن هذه التعويضات لا تتناسب البتة مع الأسعار الحالية، فضلاً عن تأخر صرفها لفترات طويلة تفقدها قيمتها الشرائية تماماً في ظل التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة.
موجة قمع عقاري تضرب المحافظات
ولا يعد قرار الجيزة سوى حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات العمرانية؛ فقد كشف تقرير صادر عن مؤسسة “ديوان العمران” البحثية عن قفزة مقلقة في وتيرة نزع الملكيات الخاصة خلال عام 2025، حيث بلغت المساحات المنزوعة نحو 2.5 مليون متر مربع لصالح مشروعات البنية التحتية، مضحية باستقرار نحو 2500 مواطن.
وتصدرت الإسكندرية المشهد كأكثر المحافظات تضرراً بأكثر من 577 ألف متر مربع من المساحات المنزوعة، تلتها القاهرة والدقهلية والقليوبية والجيزة، وشهدت الإسكندرية أزمات حادة تمثلت في تهجير سكان منطقة طوسون لصالح الطريق الدائري، ونزع ملكية برج “لؤلؤة الإسكندرية” لصالح مشروعات استثمارية سياحية.
خلاصة المشهد: تكشف هذه السياسات عن نمط حكومي يتعامل مع حقوق الملكية الخاصة للمواطنين كعائق إداري يمكن تجاوزه بقرارات فوقية، مما يترك آلاف الأسر في مواجهة التشريد والفقر مقابل تعويضات لا تغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.






