مصرملفات وتقارير

«الخبز والسيرك» في مصر: حين تبدل السلطة الغلاء بالعروض المقامة

أزمة المعيشة وتآكل الدخول تشتعل وسط خطط لإطلاق مؤتمر موسع لاستعراض الإنجازات

تتصاعد خلال شهر أغسطس من العام الحالي أزمات اقتصادية طاحنة تضرب عمق الشارع، حيث تشير التقارير الرسمية والبرلمانية المعاصرة إلى أن الأسرة تحتاج إلى نحو اثنين وثلاثين ألف جنيه شهرياً لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية، في وقت يتخلف فيه الحد الأدنى للأجور عن تغطية سوى ربع هذا المبلغ فحسب، وهو ما يضع ملايين المواطنين تحت ضغوط معيشية غير مسبوقة تواجهها الأسر المصرية بشتى السبل لتجاوز الغلاء المتصاعد والتضخم المستمر الذي يلتهم المدخرات والرواتب الهزيلة بلا هوادة طوال العام.

تتعمق الفجوة الواسعة بين لغة الأرقام الرسمية وواقع الأسعار الملتهبة في الأسواق، حيث يقفز سعر كيلوجرام اللحم لتلامس حواجز غير مألوفة، بينما تتضاعف أسعار الخبز والسلع الغذائية الاستراتيجية بشكل قياسي مقارنة بالسنوات الماضية، وتلتهم الدروس الخصوصية نحو اثنتين وستين بالمائة من إجمالي ميزانية التعليم داخل الأسر رغم مجانية المدارس المعلنة، وتتزامن هذه المؤشرات القاسية مع توجيهات صدرت مؤخراً بضرورة تنظيم مؤتمر ضخم وموسع يمتد طوال أسبوع كامل لاستعراض الإنجازات القومية الكبرى والمشروعات التنموية في البنية التحتية والكباري والعاصمة الإدارية، وهو تحرك يثير تساؤلات واسعة النطاق في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية حول جدوى تخصيص مساحات زمنية وإعلامية هائلة للحديث عن الإنجازات الإنشائية بينما يعاني المواطن البسيط العمرين لتوفير رغيف الخبز وقوت يومه الأساسي في ظل أعباء مالية باهظة ومستمرة.

تتجلى في هذه المشهدية المعقدة استراتيجيات تقليدية متوارثة في إدارة الأزمات الشعبية، تشبه إلى حد كبير الفلسفة التاريخية الرومانية القديمة في إلهاء الجماهير الغاضبة عبر صناعة الأحداث الكبرى والمهرجانات الطويلة لتحويل بوصلة الانتباه العام عن الوجع المعيشي الحقيقي والفقر المتفاقم، حيث يسعى صناع القرار من خلال هذا المؤتمر المطول إلى فرض مظلة إعلامية شاملة تستحوذ على الفضاء العام وتملأ الساعات الطويلة بالأرقام والعروض التقديمية، في محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وإشغال الرأي العام بتفاصيل المشروعات العملاقة بعيداً عن أزمات الأسعار الطاحنة وتآكل القدرة الشرائية التي تعاني منها الطبقات المتوسطة والفقيرة على حد سواء في مختلف المحافظات.

تتجه الأنظار نحو طبيعة المشاركة النخبوية والمجتمعية المرتقبة في هذه الفعالية الممتدة لأيام عدة، حيث دعيت شخصيات فكرية وثقافية بارزة لحضور الجلسات والمناقشات، وهو ما يفسره مراقبون بأنه مسعى لإضفاء غطاء من الشرعية الفكرية على الرواية الرسمية للإنجازات، بينما يخشى منتقضون أن يتحول حضور المثقفين إلى مجرد شهادة اعتماد صامتة لخطاب السلطة، مما يفرغ دور النقد الحقيقي من مضمونه ويترك الشارع وحيداً في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي لا تسعفها لغة الخطابات ولا المؤتمرات الموسعة في تجاوز أعبائها الثقيلة المفروضة على كاهل الملايين من المواطنين.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى