
ليس السؤال عن قدرة المصريين على الغضب، فهم شعبٌ كتب التاريخُ ثوراته بحبرٍ لا يُمحى، بل السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ما الذي يجعل شعبًا عريقًا في صناعة الانتفاضات، يبتلع صمتَه الطويل رغم قسوة اللحظة ووطأة الأيام؟
على مدار تاريخه الحديث، لم يكن المصريون يومًا شعبًا مسالمًا عن استسلام، بل كانوا كالنيل إذا اكتمل فيضُه جرف السدود.
في 1919 هتفوا “سعد ويحيا العدل”، وفي 1952 أسقطوا عرشًا، وفي 2011 قالوا للظلم “كفى”.
إذًا، العقد الاجتماعي المصري لم يقم يومًا على الصمت، بل على صبرٍ طويل، يسبق عادةً انفجارًا لا يُبقي ولا يذر، لكن، لماذا يتأخر الغضب المصري أحيانًا حتى يبدو كأنه خنوع؟
الإجابة ليست في “جُبن” الشعب كما يزعم البعض، بل في بنية الوعي الجمعي التي تعيد تشكيل أولوياتها في كل مرحلة فالمصري، حين يشعر أن معركة “لقمة العيش” تهدد وجوده اليومي، يؤجل معارك الكرامة إلى أجلٍ غير مسمى، لا ضعفًا، بل لأن تجربته التاريخية علّمته أن الثورات التي تبدأ بلا “مطبخ” تنتهي في “الشارع” فريسةً للفوضى.
ثم إن للظلم في مصر وجوهًا متعددة، أخطرها حين يتخفى في ثياب الاستقرار، يخشى المصري، الذي عاش عقودًا من الاضطراب الإقليمي، أن يدفع ثمنًا باهظًا من دمه مقابل “مجهولٍ” قادم.
هذه المعادلة الصعبة بين ألم الواقع والخوف من المجهول هي التي جعلت الغضب المصري غاضبًا على استحياء، يغلي تحت الرماد ولا يفور إلا حين يجد أفقًا سياسيًا بديلًا واضحًا.
لكن، هل يعني ذلك أن الصبر المصري أبدي؟ بالتأكيد لا.
فالتاريخ يقول إن الشعب المصري لا يثور حين يُظلم فقط، بل حين “يستشعر” أن الظلم قد مسّ وجوده كله، وحين يفقد الأمل في إصلاحٍ من فوق.
الثورة المصرية القادمة إن كتب لها أن تقع لن تكون نسخة مكررة من 2011، بل ستكون ثورة “الخبز والكرامة والهوية” معًا، ثورة تنطلق من الأحياء الشعبية والمصانع المغلقة والعقول المثقلة باليأس.
إن السؤال “متى يثور الشعب المصري؟”
يحتاج إلى سؤال أعمق ماذا ننتظر من ثورةٍ قادمة؟
هل نريدها زلزالًا يهدم فقط، أم مخاضًا يبني دولةً حديثة؟
المصريون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يعرفون الفرق بين “إسقاط النظام” و”إصلاح الدولة”.
وربما لهذا السبب، يبدو غضبهم حكيمًا، صامتًا، يترقب اللحظة التي تتحول فيها المعاناة الفردية إلى مشروع جماعي.
ختامًا، لا أحد يملك أن يحدد موعدًا لثورة المصريين، لكن المؤكد أن الذي زرع الظلم سيحصد الغضب، وأن الذي أطال الصمت سيسمع صوتًا لم يعهده.
فالشعب الذي صنع أهراماتٍ من حجر، قادرٌ على أن يصنع ثورةً من صبرٍ نَفد، وحين يفيض النيل المصري…
لا يبقى في الوادي إلا وجه الحق.





