مقالات وآراء

د نزار كريكيش يكتب : حين تتغيّر خرائط القوة: من السويس إلى هرمز وصراع المستقبل

تتزايد المقارنات في الأوساط الفكرية بين ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، خصوصاً في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وبين لحظة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ليست هذه المقارنة مجرد استدعاء تاريخي، بل محاولة لفهم لحظة عالمية تتغيّر فيها بنية القوة، ويتحوّل فيها الوعي السياسي للشعوب، وتُعاد صياغة التحالفات بطريقة لا تشبه ما كان سائداً طوال العقود الماضية. فكما اكتشفت بريطانيا وفرنسا أن انتصارهما العسكري في السويس لم يكن سوى قناع يخفي أفولاً تاريخياً، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام لحظة مشابهة تكشف حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن التحولات العميقة في البنية التكنولوجية والاقتصادية والثقافية للعالم.

في عام 1956، لم يكن أحد يتوقع أن تكون أزمة السويس بداية النهاية للوجود البريطاني في الخليج أو للوجود الفرنسي في الجزائر. ومع ذلك، خلال عقد تقريباً، انهار النفوذ الاستعماري تحت ضغط موجة عالمية جديدة من الوعي السياسي، غذّاها انتشار غير مقصود لمبدأ تقرير المصير الذي طرحه الرئيس الأمريكي ويلسون. بعد العدوان الثلاثي، خرجت مظاهرات في أوروبا ضد الاستعمار، وارتفعت أصوات القوميات المحلية، وبدأت لغات وثقافات كانت مهمّشة تستعيد حضورها، خصوصاً في شرق أوروبا. هذا الزخم الثقافي والسياسي أضعف القوة الناعمة لبريطانيا وفرنسا، وأفقدهما القدرة على تبرير وجودهما العسكري والسياسي.

اليوم، تبدو الولايات المتحدة في وضع مشابه، وإن كان أكثر تعقيداً بكثير. فهي تبدو قوية عسكرياً في مواجهة إيران، لكنها عاجزة عن التكيّف مع المتغيرات العميقة التي تشهدها المنطقة والعالم. دول الخليج، التي اعتمدت لعقود على التحالف مع واشنطن، فقدت الثقة في قدرتها على الحماية، وبدأت تبحث عن ترتيبات أمنية جديدة، بعضها بيني داخل المنطقة، وبعضها دولي مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا. هذا التحول لا يعكس فقط إعادة توزيع للقوة، بل يعكس أيضاً تغيراً في الوعي السياسي العربي، حيث لم تعد الحماية الأمريكية تُرى كقدر محتوم، بل كخيار يمكن تجاوزه إذا توفرت بدائل أكثر استقلالاً.

لكن الصراع اليوم لم يعد محصوراً في الجغرافيا التقليدية أو في ميزان السلاح وحده. فالحرب الحديثة تُخاض أيضاً في أعماق البحار، حيث تمرّ الألياف البصرية التي تحمل الإنترنت العالمي، وفي المراكز الضخمة للمعطيات التي تتغذى على كميات هائلة من الطاقة وتحتاج إلى مواقع قريبة من مصادر المياه. هذا يجعل الصراع يتجاوز حدود الدول التقليدية، ويفتح ساحات جديدة للنفوذ تتعلق بالبنية التحتية الرقمية، وبقدرة الدول على حماية شبكاتها، وتأمين تدفق البيانات، وضمان استمرارية اقتصاد يعتمد على الاتصال الدائم. كما أن الممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط للتجارة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن العالمي، حيث يرتبط أمن الطاقة بأمن الشحن، ويرتبط الشحن بأمن البيانات، وتتشابك هذه العناصر في شبكة واحدة لا يمكن فصلها.

التحالفات الجديدة في المنطقة تُبنى على إدراك هذه المتغيرات. فالسعودية وتركيا وباكستان لا تتحرك اليوم كأطراف هامشية، بل كفاعلين قادرين على التأثير في مسار المفاوضات مع إيران نفسها، وعلى صياغة ترتيبات أمنية تأخذ في الاعتبار مستقبل الحرب، لا ماضيها. وحتى روسيا، التي يظن البعض أنها منشغلة بملفات أخرى، ليست غائبة عن هذه المفاوضات، بل تحاول أن تستثمر أي تراجع أمريكي لتعزيز حضورها في الخليج وسوريا وإيران.

ولأن العالم يتغير بهذه السرعة، فإن المنطقة تحتاج إلى إعادة صياغة مفاهيمها السياسية، وهذا ينطبق على المعارضة كما ينطبق على الحكومات. فالتغيير المطلوب ليس تنازلاً عن أشواق الحرية والكرامة، بل هو الفرصة التي يمكن أن تندمل فيها جراحات المنطقة، اللحظة التي يمكن أن يقف الجميع فيها أمام الحقيقة دون أوهام. صحيح أن دولاً مثل الإمارات، ومن يتبعها من الطامحين للسلطة أو الطامعين في المال الخليجي، لم تستطع أن تغيّر سلوكها وظلت تتشبث بإسرائيل كحليف استراتيجي، لكن هذا ما حدث تماماً في تلك الفترة حين لم يدرك كثيرون أن العصر البريطاني قد ولى. الملك إدريس في ليبيا، كما يروي أسامة الصيد الباحث الليبي في كتاب له صدر مؤخراً، فهم مبكراً أن بريطانيا ستنتصر في الحرب العالمية الثانية، لكنه فهم بالسرعة نفسها أنها ستغادر المنطقة، وهذا ما حدث بالضبط إبان الحرب العالمية الثانية حين اعتقد الملك توفيق بأن النازية ستنتصر في الحرب فخسر المعركة وخسر مقعداً كان قد أعد لمصر في مجلس الأمن!

ولولا مشروع مارشال ورغبة الولايات المتحدة في الحفاظ على أوروبا كشريك استراتيجي، لكان الواقع أكثر سوءاً. واليوم، يبدو أن المنطقة أمام لحظة مشابهة: لحظة تحتاج فيها القوى السياسية، حكومات ومعارضات، إلى تصور جديد للعالم، وإلى فهم أن التحالفات القديمة لم تعد صالحة، وأن الاعتماد على مراكز مثل دبي أو تل أبيب كمرتكزات للمستقبل لن ينقذ أحداً، بل سيجعل المتساقطين على أعتاب تلك المراكز خارج التاريخ حين تتغير المعادلة.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل تحوّل في الوعي، وفي شرعية القوة، وفي طبيعة النظام الدولي. وهذا ما يجعل المقارنة مع 1956 أكثر من مجرد تشبيه تاريخي؛ إنها محاولة لفهم لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل المنطقة لعقود مقبلة، لحظة لا ينجو فيها إلا من أدرك أن المستقبل لم يعد امتداداً للماضي، وأن القوة اليوم تُبنى في البحر كما تُبنى على الأرض، وفي الخوارزميات كما تُبنى في الجيوش، وفي استقلال القرار كما تُبنى في التحالفات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى