«مقابر الأرقام».. حرب غزة توسع ملف الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة

يحيي الفلسطينيون، الخميس 27 أغسطس 2026، «اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب»، في وقت يشهد فيه ملف الجثامين المحتجزة لدى إسرائيل اتساعًا غير مسبوق، إذ وثقت مؤسسات فلسطينية احتجاز جثامين 799 فلسطينيًا معروفي الهوية، بينهم 81 طفلًا و10 نساء، بينما تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن العدد الفعلي قد يصل إلى نحو 1700 جثمان، غالبيتها من قطاع غزة.
وتأتي المناسبة السنوية في ظل استمرار انتظار عائلات فلسطينية، بعضها منذ عقود، استعادة جثامين أبنائها المحتجزة في ثلاجات ومقابر عسكرية إسرائيلية مغلقة، تُعرف فلسطينيًا باسم «مقابر الأرقام».
وزادت الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 من تعقيد الملف، بعدما أضيفت إليه مئات الجثامين مجهولة المصير وآلاف المفقودين، في ظل صعوبة حصر أعدادهم بصورة نهائية.
وكان مجلس الوزراء الفلسطيني قد أقر في 3 أغسطس 2008 اعتبار يوم 27 أغسطس من كل عام مناسبة وطنية لاسترداد الجثامين، بهدف حشد الجهود الشعبية والقانونية للكشف عن مصير الجثامين والمفقودين والعمل على استعادتهم ودفنهم.
799 جثمانًا موثقًا
وتفيد بيانات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومؤسسات الأسرى الفلسطينية بأن إسرائيل تحتجز جثامين 799 فلسطينيًا جرى توثيق هوياتهم.
ومن بين الجثامين الموثقة، 256 جثمانًا محتجزًا في «مقابر الأرقام»، و99 جثمانًا لأسرى، إلى جانب جثامين 81 طفلًا دون سن 18 عامًا و10 نساء.
وفي المقابل، تشير معطيات إسرائيلية حديثة إلى وجود فجوة كبيرة بين العدد الموثق فلسطينيًا والعدد الإجمالي للجثامين المحتجزة.
وفي 11 أغسطس الجاري، أفادت معلومات منسوبة إلى مصدرين أمنيين إسرائيليين بأن إسرائيل تحتجز نحو 1700 جثمان لفلسطينيين، غالبيتهم من قطاع غزة، بهدف استخدامها في صفقات تبادل محتملة.
وزعم المصدران أن معظم أصحاب الجثامين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر أو في القتال خلال الحرب، مع الإقرار بوجود فلسطينيين بين المحتجزين لم يشاركوا في القتال، فيما لا يمكن التحقق بشكل مستقل من هذا التصنيف.
ما هي «مقابر الأرقام»؟
يطلق الفلسطينيون تسمية «مقابر الأرقام» على مدافن عسكرية إسرائيلية مغلقة دُفنت فيها جثامين فلسطينيين وعرب من دون كتابة أسمائهم على القبور، إذ يوضع على كل قبر رقم يرتبط بملف خاص بصاحب الجثمان.
وتعود هذه المقابر بصورتها المعروفة إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، واتسع استخدامها عقب حرب عام 1967، وتقع داخل مناطق عسكرية مغلقة، ما يحول دون تمكن عائلات أصحاب الجثامين من زيارتها بصورة اعتيادية.
وضمت هذه المقابر تاريخيًا جثامين لفلسطينيين وعرب، بينهم لبنانيون، وهو ما يفسر تسمية المناسبة بـ«اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين والعرب».
الجثامين كورقة تفاوض
ووسعت إسرائيل منذ عام 2015 سياسة احتجاز جثامين الفلسطينيين، فيما أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابنيت» عام 2017 إبقاء بعض الجثامين بهدف استخدامها في مفاوضات مستقبلية.
وفي سبتمبر 2019، أجازت المحكمة العليا الإسرائيلية للسلطات العسكرية احتجاز الجثامين استنادًا إلى أنظمة الطوارئ لعام 1945، بما يشمل استخدامها في مفاوضات لاستعادة إسرائيليين أو جثامينهم.
وفي عام 2020، وسع «الكابنيت» الحالات التي يمكن فيها احتجاز جثامين فلسطينيين.
وترى منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية أن إبقاء الجثمان محتجزًا لاعتبارات تفاوضية يمثل عقابًا للعائلة ويحرمها من وداع ابنها ودفنه، في حين تقول السلطات الإسرائيلية إن هذه السياسة ترتبط باعتبارات أمنية وتفاوضية.
ماذا يقول القانون الدولي؟
ينص القانون الدولي الإنساني على احترام الموتى وقبورهم، والعمل على تسهيل إعادة رفاتهم إلى ذويهم.
كما تنص المادة 34 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على احترام رفات الأشخاص الذين توفوا نتيجة ظروف مرتبطة بالنزاع أو الاحتلال، وتسهيل إعادة الرفات إلى ذويها عندما تسمح الظروف بذلك.
حرب غزة توسع ملف الجثامين
وتسببت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 في توسع كبير بملف الجثامين المحتجزة، مع نقل القوات الإسرائيلية مئات الجثامين من القطاع، بالتزامن مع بقاء آلاف الفلسطينيين في عداد المفقودين.
وتشير بيانات الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين إلى أن إسرائيل أعادت إلى قطاع غزة، حتى 4 فبراير 2026، جثامين 930 فلسطينيًا، إضافة إلى 66 صندوقًا تحتوي على رفات بشرية.
وشملت الجثامين المعادة، وفق البيانات الفلسطينية، رفاتًا قالت الحملة إن القوات الإسرائيلية أخذتها خلال الحرب من مقابر في القطاع ومن محيط مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة.
وواجهت الطواقم الفلسطينية صعوبات كبيرة في التعرف على هويات الجثامين، في ظل غياب أجهزة ومستلزمات فحص الحمض النووي «DNA»، ما اضطرها إلى الاعتماد على وسائل تقليدية والاستعانة بعائلات المفقودين لمحاولة تحديد هوية أصحاب الرفات.
وأكدت الحملة الوطنية ومؤسسات الأسرى، الأربعاء، أن استمرار وجود آلاف المفقودين في غزة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مناطق القتل والدمار، يجعل أعداد الجثامين المحتجزة مرشحة للارتفاع مع ظهور معلومات جديدة والتعرف على مزيد من الضحايا.
7400 جثمان تحت الأنقاض
ويتداخل ملف الجثامين التي نقلتها إسرائيل من غزة مع أزمة أخرى داخل القطاع، حيث لا تزال آلاف الجثامين تحت أنقاض المباني المدمرة.
وقال مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة زاهر الوحيدي، في 20 أغسطس الجاري، إن نحو 7400 جثمان لا تزال تحت الأنقاض، ولم تتمكن الطواقم المختصة من الوصول إليها وانتشالها.
وحتى الأربعاء، بلغت حصيلة الفلسطينيين الذين قُتلوا في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 73 ألفًا و438 شخصًا، إضافة إلى 174 ألفًا و447 مصابًا، وفق بيانات وزارة الصحة في القطاع.
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، أسفرت الخروقات الإسرائيلية للاتفاق عن مقتل 1303 فلسطينيين وإصابة 4336 آخرين، فيما انتشلت الطواقم مئات الجثامين من تحت الأنقاض.
ومنذ تأسيسها عام 2008، تعمل الحملة الوطنية الفلسطينية على توثيق أسماء أصحاب الجثامين والمفقودين، ومتابعة قضاياهم أمام المحاكم والهيئات الدولية، في مسعى للكشف عن هويات أصحاب الجثامين المحتجزة وإعادتها إلى عائلاتهم لدفنها.







