صدام حفتر يلعب بورقة المتمردين لإضعاف المجلس العسكري في النيجر وسط صراع نفوذ بين ليبيا وتشاد ونيامي

كشفت تقارير استخباراتية وإعلامية عن تحركات متشابكة يقودها الفريق صدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر ورئيس أركان القوات البرية الليبية، بهدف تعزيز نفوذ معسكر بنغازي في المنطقة الممتدة بين جنوب ليبيا والنيجر وتشاد، مستفيدًا من علاقاته مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي ومن وجود جماعات مسلحة ومتمردة تنشط عبر الحدود، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين معسكر حفتر والمجلس العسكري الحاكم في النيجر بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «أفريكا إنتليجنس» الفرنسية المتخصصة في الشؤون الاستخباراتية والأفريقية، في 25 أغسطس 2026، تحت عنوان «لعبة صدام حفتر الملتبسة لإضعاف المجلس العسكري لعبد الرحمن تياني»، فإن صدام حفتر يعتمد على علاقته بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في التعامل مع خصوم لجأوا إلى النيجر، بالتوازي مع سعيه لاستخدام ورقة المتمردين المناهضين لسلطة تياني والموجودين في ليبيا وتشاد.
وتكشف هذه التحركات عن تحول كبير في العلاقة بين معسكر حفتر والسلطات العسكرية في النيجر، بعدما شهدت العلاقة بين الجانبين مراحل من التقارب والتنسيق الأمني، قبل أن تتراكم الخلافات خلال الأشهر الأخيرة، خصوصًا مع اتجاه نيامي إلى توثيق علاقاتها مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المنافس الرئيسي لمعسكر حفتر في شرق ليبيا.
وتتمتع المنطقة الحدودية بين ليبيا والنيجر وتشاد بأهمية استراتيجية كبيرة، إذ تمثل أحد أبرز ممرات الحركة في الصحراء الكبرى، سواء بالنسبة للجماعات المسلحة أو شبكات التهريب والهجرة غير النظامية وتجارة الذهب والوقود والمخدرات.
وتسيطر قوات حفتر على مناطق واسعة من جنوب وشرق ليبيا، ما منحها قدرة متزايدة على التأثير في الطرق والممرات الصحراوية الممتدة نحو دول الساحل.
وخلال السنوات الأخيرة، سعى معسكر حفتر إلى تشديد قبضته على جنوب ليبيا، ولا سيما المناطق القريبة من الحدود مع النيجر وتشاد، ونشر قوات إضافية في سبها والقطرون وأوباري وبراك الشاطئ ومناطق أخرى في إقليم فزان.
وفي يوليو الماضي، أفادت «أفريكا إنتليجنس» بأن قوات صدام حفتر كثفت عملياتها في فزان بهدف السيطرة على الممرات العابرة للحدود وعلى حركة التجارة والتهريب في المنطقة المتاخمة للنيجر وتشاد، مع محاولة استقطاب مجموعات من التبو إلى صفها.
الجبهة الوطنية للتحرير تدخل على الخط
ويبرز في قلب الصراع الحالي «Front Patriotique de Libération – FPL»، أو الجبهة الوطنية للتحرير في النيجر، وهي حركة مسلحة معارضة للمجلس العسكري الذي استولى على السلطة عقب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في يوليو 2023.
ويرأس الحركة محمود صلاح، الذي اعتقلته قوات حفتر في مدينة القطرون بجنوب ليبيا في فبراير 2025، إلى جانب عدد من مقاتليه.
وظل صلاح محتجزًا لدى قوات شرق ليبيا لأكثر من عام، قبل أن تعلن الجبهة في يونيو 2026 إطلاق سراحه.
ولم تتوقف المفاجأة عند الإفراج عن رئيس الحركة، إذ أعلنت الجبهة بعد ذلك الإفراج عن جميع مقاتليها الذين كانوا محتجزين في سجن قرنادة شرقي ليبيا.
ووجهت الجبهة في بيان رسمي شكرًا خاصًا إلى صدام حفتر، مشيدة بالدور الذي قام به في عملية الإفراج عن عناصرها.
وكان هذا التحول لافتًا، لأن قوات حفتر كانت هي نفسها التي ألقت القبض على محمود صلاح ومقاتليه، بينما أصبح الإفراج عنهم لاحقًا جزءًا من المواجهة السياسية المتصاعدة بين بنغازي ونيامي.
وبعد أسابيع قليلة من إطلاق سراحه، عاد محمود صلاح إلى الظهور على رأس مقاتليه.
وفي 25 يوليو 2026، عشية الذكرى الثالثة للانقلاب الذي أوصل الجنرال عبد الرحمن تياني إلى السلطة، تجمع نحو مئة من مقاتلي الجبهة الوطنية للتحرير في منطقة أههي الواقعة قرب المثلث الحدودي بين النيجر وليبيا وتشاد.
وظهر المقاتلون ومعهم نحو 18 سيارة «بيك آب»، وأعلنوا استئناف تحركهم المسلح ومواصلة القتال حتى إسقاط المجلس الوطني لحماية الوطن، وهو المجلس العسكري الذي يحكم النيجر.
وتكتسب عودة الجبهة إلى النشاط أهمية خاصة لأنها تفتح على السلطات في نيامي جبهة إضافية في شمال البلاد، في الوقت الذي تواجه فيه القوات النيجرية أصلًا ضغطًا أمنيًا كبيرًا من الجماعات المسلحة في غرب البلاد.
من التقارب إلى الخلاف بين حفتر وتياني
العلاقة بين معسكر حفتر وسلطة الجنرال تياني لم تكن دائمًا على هذه الدرجة من التوتر.
ففي مايو 2025، زار صدام حفتر نيامي والتقى الجنرال عبد الرحمن تياني، في مؤشر على وجود تنسيق بين الطرفين، خصوصًا في الملفات الأمنية المتعلقة بالحدود والجماعات المسلحة.
لكن هذه العلاقة تعرضت لاحقًا لاختبارات متتالية.
ومن أبرز نقاط الخلاف اتجاه السلطات في النيجر إلى تعزيز علاقاتها مع حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس.
ففي يونيو 2026، زار رئيس الوزراء النيجري علي الأمين زين العاصمة الليبية طرابلس، وأجرى مباحثات ركزت على التعاون الأمني وقضايا الحدود والمحتجزين.
وفي الوقت نفسه تقريبًا، شهدت العلاقة بين نيامي وبنغازي أزمة مرتبطة بملف تبادل وتسليم مطلوبين.
وجاء إطلاق سراح محمود صلاح في وقت كانت فيه السلطات النيجرية قد سلمت إلى طرابلس قائدًا ليبيًا معارضًا لمعسكر حفتر يدعى مديون ريفي برهادين، المرتبط بكتيبة «أحرار فزان».
واعتبر مراقبون إطلاق سراح رئيس الجبهة الوطنية للتحرير رسالة من معسكر حفتر إلى نيامي، مفادها أن بنغازي قادرة بدورها على استخدام خصوم المجلس العسكري في النيجر كورقة ضغط.
ثم تواصل إطلاق سراح مقاتلي الجبهة المحتجزين لدى قوات حفتر، ما عزز التكهنات بوجود تحول في موقف معسكر شرق ليبيا تجاه الحركة.
وفي يوليو، كشفت «أفريكا إنتليجنس» أن نيامي سرعت تقاربها مع طرابلس، وأن مبعوثين تابعين للجنرال تياني توجهوا إلى العاصمة الليبية لمواصلة المحادثات بشأن التعاون الأمني واستعادة مواطنين نيجريين كانوا محتجزين هناك.
وقالت المجلة إن ما وصفته بـ«اللعبة المزدوجة» التي تمارسها النيجر أثار توترات مع عائلة حفتر.
ديبي وصدام حفتر.. علاقة معقدة
ولا يقتصر الملف على ليبيا والنيجر، إذ تدخل تشاد بقوة في المعادلة.
وتشير «أفريكا إنتليجنس» إلى أن صدام حفتر يعتمد على علاقته بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في مواجهة بعض خصومه الموجودين في النيجر.
وفي المقابل، تحتاج نجامينا إلى تعاون معسكر حفتر بسبب وجود جماعات معارضة تشادية مسلحة في الأراضي الليبية.
ومن أبرز هذه الجماعات «جبهة التغيير والوفاق في تشاد» المعروفة اختصارًا باسم FACT، إلى جانب «مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية» CCMSR.
ولدى هذه التنظيمات تاريخ طويل من النشاط في جنوب ليبيا، واستفادت من حالة الفوضى التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وتكتسب جبهة FACT تحديدًا حساسية شديدة بالنسبة للحكم في نجامينا، إذ شنت في أبريل 2021 هجومًا كبيرًا داخل تشاد، وخلال المواجهات أصيب الرئيس السابق إدريس ديبي، والد الرئيس الحالي محمد إدريس ديبي، بجروح أدت إلى وفاته.
ولهذا تنظر السلطات التشادية إلى وجود عناصر FACT داخل الأراضي الليبية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن النظام.
وتشير تقارير إلى أن نجامينا طلبت من صدام حفتر في 2024 العمل على احتواء مقاتلي FACT ومنعهم من استخدام الأراضي الليبية لشن عمليات ضد تشاد.
وهذا يمنح صدام حفتر ورقة نفوذ مهمة في علاقته بالرئيس محمد إدريس ديبي، لأن قوات حفتر تسيطر على أجزاء واسعة من الجنوب الليبي حيث تنشط مجموعات مسلحة تشادية.
انقلاب في سياسة حفتر تجاه المتمردين النيجريين
المفارقة أن معسكر حفتر لم يكن دائمًا داعمًا للمتمردين المناهضين لسلطة تياني.
فوفق تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، أدت علاقة صدام حفتر بحكومة نيامي خلال عام 2024 إلى إعادة تنظيم عمليات القوات التابعة لمعسكر شرق ليبيا في منطقة «مثلث السلفادور» الحدودية.
وعززت قوات حفتر حينها وجودها في براك الشاطئ وغات والقطرون وسبها وأوباري.
وكان من بين أهداف تلك التحركات منع الجبهة الوطنية للتحرير، ذات القاعدة الطوارقية، من تثبيت وجودها في المنطقة الحدودية بين النيجر وليبيا.
أي أن القوات التي كانت تعمل في السابق على منع الجبهة من التحرك قرب الأراضي الليبية، أصبحت بعد تدهور العلاقة مع نيامي تطلق سراح قيادات الجبهة ومقاتليها.
ويكشف ذلك طبيعة التحالفات شديدة السيولة في المنطقة، حيث يمكن أن تتحول الجماعات المسلحة من خصم إلى ورقة تفاوض أو ضغط وفقًا لتغير العلاقات بين الحكومات والقوى المسيطرة على الحدود.
معركة على طرق الصحراء
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الصراع الأوسع على جنوب ليبيا.
فالسيطرة على فزان تعني التحكم في جزء كبير من الممرات التي تربط الساحل الأفريقي بشمال أفريقيا والبحر المتوسط.
وتستخدم هذه الطرق في نقل البضائع والوقود والذهب، فضلًا عن الهجرة غير النظامية وعمليات التهريب المختلفة.
وأفاد فريق خبراء الأمم المتحدة سابقًا بأن قوات شرق ليبيا تحصل على إيرادات من بعض الأنشطة العابرة للحدود ومن نقاط التفتيش الواقعة على الطرق الصحراوية، بما في ذلك طرق مرتبطة بتهريب المخدرات والذهب.
ولهذا فإن إحكام السيطرة على المنطقة الحدودية لا يمثل قضية أمنية فقط بالنسبة لمعسكر حفتر، وإنما يحمل أيضًا أبعادًا اقتصادية وسياسية وعسكرية.
وفي المقابل، تسعى حكومة طرابلس إلى توسيع نفوذها جنوبًا وفتح قنوات مباشرة مع دول الساحل، وهو ما يفسر جزءًا من التقارب المتسارع بينها وبين سلطات النيجر.
وتتحول نيامي بذلك إلى ساحة أخرى من ساحات المنافسة الليبية الداخلية؛ فبينما يسعى معسكر حفتر إلى الحفاظ على نفوذه في شمال النيجر والطرق المتصلة بفزان، تعمل حكومة الدبيبة على بناء علاقات رسمية وأمنية مع المجلس العسكري النيجري.
ضغوط متزايدة على تياني
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه سلطة عبد الرحمن تياني أزمة أمنية معقدة منذ انقلاب يوليو 2023.
فالقوات المسلحة النيجرية تقاتل جماعات مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، خصوصًا في المناطق الغربية القريبة من مالي وبوركينا فاسو.
وفي الوقت نفسه، فإن عودة جماعات مسلحة مناهضة للمجلس العسكري إلى النشاط في الشمال والشمال الشرقي تعني احتمال اضطرار الجيش إلى توزيع قواته على مساحات أوسع.
وتزداد أهمية هذه المعادلة مع وجود عناصر «أفريكا كوربس» الروسية في النيجر، والتي استعان بها المجلس العسكري بعد تراجع التعاون العسكري مع فرنسا والولايات المتحدة.
وفي 25 يوليو، أعاد تياني اتهام فرنسا ودول غربية بمحاولة زعزعة استقرار منطقة الساحل، لكنه لم يتطرق بصورة مباشرة إلى عودة الجبهة الوطنية للتحرير إلى النشاط المسلح.
ويعني ذلك أن المجلس العسكري قد يجد نفسه أمام أكثر من مصدر تهديد في وقت واحد: الجماعات الجهادية غربًا، والحركات المسلحة المناهضة للانقلاب شمالًا، بالإضافة إلى التنافس الإقليمي المتزايد على الحدود مع ليبيا.
صدام حفتر يعيد ترتيب أوراقه في الساحل
وتشير مجمل التطورات إلى أن صدام حفتر لا يتعامل مع الجماعات المسلحة الموجودة في جنوب ليبيا ودول الجوار باعتبارها ملفًا أمنيًا فقط، وإنما بوصفها أدوات محتملة لبناء النفوذ الإقليمي.
فمن ناحية، يستطيع استخدام علاقته مع نجامينا للضغط على خصومه الموجودين في النيجر، ومن ناحية أخرى يمتلك قدرة على احتواء أو تحريك مجموعات معارضة للرئيس التشادي بسبب وجودها في مناطق خاضعة لنفوذ قوات شرق ليبيا.
وفي الاتجاه الثالث، يمثل المتمردون النيجريون المناهضون لعبد الرحمن تياني ورقة ضغط مباشرة على نيامي، خصوصًا بعد تحول الأخيرة نحو طرابلس.
وبهذا تتشكل شبكة معقدة من المصالح المتبادلة: نجامينا تحتاج إلى حفتر لضبط المتمردين التشاديين في ليبيا، وحفتر يحتاج إلى ديبي في ملفات خصومه الموجودين في النيجر، بينما يستطيع معسكر بنغازي استخدام المتمردين النيجريين للضغط على تياني.
وتكشف هذه المعادلة أن الصراع على جنوب ليبيا لم يعد شأنًا ليبيًا داخليًا، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع على النفوذ في الساحل والصحراء.
ومع استمرار التنافس بين بنغازي وطرابلس، وتصاعد الضغوط الأمنية على النيجر، وحساسية تشاد تجاه الجماعات المسلحة الموجودة في ليبيا، بات المثلث الحدودي الليبي–النيجري–التشادي أحد أكثر مناطق المنطقة قابلية لإعادة رسم التحالفات.
وتبدو تحركات صدام حفتر الأخيرة نموذجًا واضحًا لهذه السياسة؛ إذ انتقل معسكره خلال فترة قصيرة من التعاون مع نيامي في مواجهة المتمردين النيجريين إلى إطلاق سراح أبرز قادتهم، في الوقت الذي يعمل فيه على توظيف علاقته مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي لموازنة خصومه في المنطقة.
وهو ما يفسر وصف «أفريكا إنتليجنس» لتحركاته بأنها «لعبة ملتبسة» تستهدف، في جانب منها، إضعاف المجلس العسكري بقيادة عبد الرحمن تياني، وفي جانب آخر ترسيخ موقع عائلة حفتر باعتبارها لاعبًا إقليميًا يتجاوز نفوذها الحدود الليبية إلى قلب منطقة الساحل.
هذا هو الخبر الطويل المجمع الذي أمكن الوصول إليه بعد البحث في عدة مصادر، وليس ترجمة مختلقة للنص المحجوب. أهم نقطة إضافية وجدتها أثناء البحث هي أن تقرير الأمم المتحدة يثبت أن صدام حفتر كان في 2024 يعمل على منع الـFPL من التمركز على حدود ليبيا، ثم في يونيو 2026 أطلق سراح قائد الحركة ومقاتليها؛ وهذا يوضح حجم الانقلاب في علاقته مع تياني.







