حوادث وقضايامصرملفات وتقارير

عندما يتحول الشارع إلى محكمة: هل يجوز الانتقام خارج القانون؟

تسببت مقاطع مصورة جرى تداولها مؤخراً لمنطقة المهندسين بمحافظة الجيزة في حالة استياء عارمة، حيث أظهرت مجموعة من الأشخاص يتعدون بالضرب المبرح على شاب متهم بالاستيلاء على كراتين بالقرب من مستشفى الصفا. وثقت اللقطات إخضاع الشاب بالقوة، ونزع ملابسه العلوية، وجره بالطريق العام على مرأى من المارة.

أبانت التسجيلات تعرض الضحية لأسلوب تعامل قاسٍ وسط تجمهر الأهالي، بينما أكدت مصادر إعلامية أن الجهات الأمنية عكست اهتماماً بفحص الفيديو للتأكد من تفاصيل الواقعة وملاحقة المتورطين فيها.

في سياق متصل، أصدرت إدارة مستشفى الصفا بياناً رسمياً برأت فيه ساحتها من الحادثة، مشددة على أن الاعتداء وقع خارج أسوار المؤسسة الطبيّة، وأن الظاهرين في الفيديوهات ليسوا من طاقم العاملين لديها.

إشكالية العقاب الذاتي خارج المؤسسات القانونية

يظل فعل السرقة تعدياً مرفوضاً ومداناً على المستويات القانونية والأخلاقية كافة، ويبقى السبيل المشروع للمتضررين منحصراً في التقدم ببلاغات للشرطة والجهات القضائية لاسترداد الحقوق.

تكمن الأزمة الحقيقية حين يتحول القبض على مشتبه به إلى محاكمة شعبية فورية، ينتصب فيها الأفراد محققين وقضاة وجلادين في آنٍ واحد. فالاعتداء الجسدي، والتعرية، والجر بالطريق لا تكتسب أي شرعية بحجة الاشتباه بجريمة.

الأخطر من ذلك هو تدشين سابقة لتسييد قانون الغاب بالشارع، فضلاً عن جهل المعتدين بالدوافع الحقيقية للضحية أو ظروفه المعيشية، ناهيك عن التأكد التام من صحة الاتهام قبل الشروع في التنفيذ العشوائي للعقوبة.

الفاصل بين تجريم السرقة وصون الآدمية

لا يستهدف النقاش صك براءة للسرقة أو التماس أعذار لها، فالمتورطون في جرائم السرقة يخضعون للمساءلة القانونية ويواجهون العقوبات التي يقرها القضاء عند ثبوت الإدانة.

إلا أن رفض الجريمة لا يبرر إطلاقاً امتهان الكرامة الإنسانية. وتبرز هنا المعضلة الأخلاقية حول سعي المجتمع لمواجهة الجريمة عبر ارتكاب أفعال عنف وتنكيل ضد مشتبه بهم. فالعدالة تتنافى كلياً مع الانتقام، وتبقى للجانب الإنساني حقوقه الثابتة بغض النظر عن طبيعة التهمة.

جذور العنف المجتمعي والضغط المعيشي

يطرح الحادث تساؤلات أعمق حول تنامي مظاهر العنف الأهلي في التعامل مع الأزمات اليومية بالشارع المصري.

لا يمكن اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي بمعزل عن غيره، فالجرائم معقدة الترابط بين أبعاد نفسية واجتماعية وقانونية. غير أن غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية لقطاعات واسعة يضاعفان من حدة الضغوط المجتمعية ويفاقمان الهشاشة الاجتماعية. بناءً عليه، لا تقتصر مواجهة السرقة على تشديد النصوص العقابية، بل تمتد لتصلح المناخ الاجتماعي والاقتصادي المنتج للجريمة.

الفقر والمسؤولية الجنائية والدور الحكومي

بطبيعة الحال، لا يمثل الفقر غطاءً مبرراً لارتكاب الجرائم، كما أن العوز لا يعفي الفرد من مسؤولية أفعاله. لكن الأجهزة الرسمية الساعية لتحجيم الجريمة ملزمة بدراسة مسبباتها لا الاكتفاء بالتعامل مع آثارها.

عندما يُقدم شخص على سرقة طعام بسبب الجوع أو أشياء زهيدة لتعذره عن تلبية أساسيات عيشه، فإن تعنيفه بالجر والإهانة يعجز عن حل المعضلة الأساسية. وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول غاية المجتمع: هل هي التشفي من الفقراء أم منع الجريمة من جذورها؟

دروس التاريخ: العدالة تسبق العقوبة

يستحضر التراث الإسلامي شواهد بارزة من عهد الخليفة عمر بن الخطاب خلال “عام الرمادة” حين ضربت المجاعة شبه الجزيرة العربية، حيث تروى تفاصيل فقهية دقيقة حول ضوابط تطبيق الحدود في أوقات الضرورة والمجاعة التي تعطل شروط إقامة العقوبة.

كما تشير الروايات إلى واقعة غلمان حاطب بن أبي بلتعة الذين سرقوا الإبل، إذ تراجع الخليفة عن قطع أيديهم بعد ثبوت تجويعهم من قبل سيدهم، محُملاً الأخير وزر الواقعة.

العبرة المستخلصة لا تنصرف للمقارنة بين الأنظمة القضائية، بل تؤكد سبَق مبدأ العدالة الاجتماعية للعقاب عند تفشي الحاجة، مع ضرورة عدم إغفال مسؤولية الدولة والمجتمع عن الظروف الدافعة نحو الجريمة.

أبعاد المسؤولية بين الدولة والمجتمع

اتسمت معالجة الصحابي عمر بن الخطاب للأزمات بتأمين الإغاثة وتتبع أحوال الرعية مباشرة، مما يضع الحوادث المعاصرة أمام تساؤل مصيري: إذا كان المجتمع يتولى عقوبة الفقراء المخطئين، فمن يحاسب الدولة والمجتمع عن الظروف المؤدية لليأس والجريمة؟

لا تعني الإجابة إعفاء السارقين من العقاب، بل تصويب مسار المسؤوليات: الجريمة يُحاسب عليها القانون، والفقر تعالجه السياسات الحكومية، والعنف البدني يواجه كذلك بالقانون.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى