مقالات وآراء

كنانة خلف الكردي تكتب: بين الكفاءة المُهمّشة وغياب الفرص: معاناة صامتة في وطنٍ يُفترض أن يحتضن أبناءه

إنّ خسارة محبة الشعب ليست خسارة عابرة يمكن تجاوزها، بل هي سقوط حقيقي في ميزان الثقة والانتماء. فالشعوب، حين تفقد ثقتها، لا تُعوضها الشعارات، ولا تُعيدها الوعود المؤجلة.

في خضم هذا الواقع، أجد نفسي – كغيري من أبناء هذا الوطن – أقف أمام معادلة قاسية: شهادات علمية، وخبرات متراكمة في المجالين السياسي والإعلامي، يقابلها غياب واضح للفرص داخل مؤسسات الدولة، تحت ذريعة باتت مستهلكة: «عدم توفر الشواغر».

إنّ الإشكالية لا تكمن في انعدام الفرص بحد ذاته، بل في التناقض الصارخ بين الحاجة الفعلية إلى الكفاءات، وبين إقصاء أصحابها عن مواقع التأثير والعمل. كيف يمكن لمؤسسات تسعى إلى النهوض أن تُغلق أبوابها أمام الطاقات المؤهلة؟ وكيف يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة في ظل غياب آليات عادلة وشفافة لاستيعاب الكفاءات الوطنية؟

لقد تحوّل «طرق الأبواب» – الذي يُفترض أن يكون تعبيراً عن المبادرة والاجتهاد – إلى عبء نفسي ومعنوي، يضع الإنسان في موقفٍ يتأرجح بين الإصرار على نيل حقه، والخشية من أن يتحول هذا السعي إلى ما يشبه الاستجداء. وهو شعور لا يليق بمن يحمل مؤهلاته بجدارة، ولا بدولة تُفترض فيها رعاية أبنائها والاستفادة من إمكاناتهم.

إنّ كثيراً من أصحاب الشهادات والخبرات باتوا مضطرين للعمل خارج إطار الدولة، لا عن قناعة، بل نتيجة انسداد الأفق داخلها. وهذا الواقع لا يُفقدهم فقط فرصهم المهنية، بل يُضعف كذلك من قدرة الدولة ذاتها على الاستفادة من طاقاتها البشرية، التي تُعد الركيزة الأساسية لأي مشروع نهوض حقيقي.

المسألة، في جوهرها، ليست مطلباً فردياً، بل قضية عامة تمسّ شريحة واسعة من الكفاءات الوطنية التي تجد نفسها على هامش المشهد، رغم قدرتها على الإسهام الفاعل في بنائه. فالدول لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تُحسن توظيف هذه الموارد وتوجيهها.

ورغم هذا المشهد المثقل بالتحديات، يبقى الأمل قائماً في مراجعة جادة تعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وتؤسس لبيئة عمل تستند إلى الكفاءة لا إلى الاعتبارات الضيقة. فاستعادة ثقة الإنسان بوطنه تبدأ من شعوره بأن له مكاناً فيه، وأن جهده لن يذهب سدى.

ختاماً، إنّ ما يُطلب ليس امتيازاً، ولا استثناءً، بل حق أصيل يتمثل في فرصة عادلة للعمل والعطاء داخل مؤسسات الدولة. فإما أن تكون هذه المؤسسات حاضنة لأبنائها، أو أن تخسر – بصمت – أهم ما تملك: ثقة الإنسان وإيمانه بها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى