أخبار العالممصرملفات وتقارير

من سد النهضة إلى سدود جديدة.. هل دخلت أزمة النيل مرحلة «الدفاع عن النفس»؟

القاهرة ترفع سقف خطابها تجاه أديس أبابا وتلوّح بالمادة 51.. وإثيوبيا تتحدث عن سدود جديدة بعد أكثر من عقد من المفاوضات

دخلت أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا مرحلة جديدة تبدو أكثر تعقيدًا من سنوات الصراع حول بناء وملء وتشغيل سد النهضة، بعدما انتقل الجدل من التعامل مع سد أصبح واقعًا قائمًا إلى مخاوف مصرية من تكرار التجربة عبر إقامة سدود إثيوبية إضافية على النيل الأزرق.

وخلال الأسابيع الأخيرة، صعّدت القاهرة من لهجتها بصورة لافتة، مؤكدة أنها لن تسمح بإقامة سدود إضافية تضر بمصالحها المائية، بالتزامن مع تصريحات إثيوبية بشأن بناء مزيد من السدود والتحكم في تدفقات المياه إلى دولتي المصب مصر والسودان.

لكن التحول الأبرز لم يكن في رفض القاهرة للمشروعات الجديدة فقط، وإنما في عودة المسؤولين المصريين إلى الحديث صراحة عن «الدفاع الشرعي» عن الأمن المائي.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن مصر لن تسمح بإقامة سدود إضافية على النيل، مؤكدًا أن بلاده تمتلك حق الدفاع الشرعي عن مصالحها وأمنها المائي. وفي تصريحات أحدث، أكد أن مصر تملك وفق القانون الدولي حق الدفاع عن نفسها إذا وقع ضرر يمكن أن يؤدي إلى قطع تدفق المياه، واصفًا القضية بأنها «وجودية» بالنسبة لمصر.

لماذا عادت المادة 51؟

تكتسب هذه التصريحات أهميتها من الإشارة المصرية إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي المادة التي تقر بالحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها في حالة وقوع هجوم مسلح.

وقد أعاد التلويح المصري بهذه المادة فتح نقاش قانوني وسياسي حول ما إذا كانت القاهرة بصدد تغيير طريقة تعاملها مع أزمة النيل، من نزاع حول إدارة مورد مائي مشترك إلى قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي وحق الدولة في حماية وجودها ومصالحها الحيوية.

وتشير مناقشات قانونية حول الموقف المصري إلى أن تطبيق المادة 51 على نزاع مائي يظل مسألة معقدة، بالنظر إلى ارتباط نص المادة في ميثاق الأمم المتحدة بوقوع «هجوم مسلح»، وهو ما يجعل تحديد طبيعة الضرر ومستواه ومدى انطباق مفهوم الدفاع الشرعي عليه محل جدل قانوني.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة تتجه إلى عمل عسكري وشيك، لكنه يكشف عن محاولة واضحة لرفع مستوى الردع السياسي والقانوني، وإبلاغ أديس أبابا بأن مصر لا تنظر إلى مياه النيل باعتبارها ملفًا تفاوضيًا يمكن إبقاؤه مفتوحًا بلا نهاية.

13 عامًا من المفاوضات

يأتي التصعيد بعد نحو 13 عامًا من المفاوضات حول سد النهضة دون الوصول إلى الاتفاق القانوني الملزم الذي طالبت به مصر بشأن قواعد الملء والتشغيل.

وتؤكد القاهرة أن الإجراءات الإثيوبية الأحادية في تشغيل السد يمكن أن تؤثر في الأمن المائي لمصر والسودان، فيما تتمسك أديس أبابا بحقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء.

ومع اكتمال سد النهضة ودخوله مرحلة التشغيل، تغير جوهر الأزمة. فلم يعد السؤال المطروح هو إمكانية منع بناء السد، وإنما كيفية إدارة آثاره ومنع التحكم الأحادي في تدفقات المياه وضمان التنسيق في فترات الجفاف والظروف المائية الاستثنائية.

ثلاثة سدود جديدة

المخاوف المصرية تصاعدت بصورة أكبر مع الحديث الإثيوبي عن بناء ثلاثة سدود جديدة.

وذكرت تقارير حديثة أن إثيوبيا تخطط لمشروعات «كارادوبي» و«ماندايا» و«بيكو أبو» ضمن برنامج أوسع لتطوير مشروعات الطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق، بينما لا تزال تفاصيل المشروعات ومواعيد تنفيذها النهائية قيد التطوير.

وهنا تتجاوز الأزمة سد النهضة نفسه.

فبالنسبة للقاهرة، قد يعني تكرار بناء السدود بصورة منفردة تكريس نموذج جديد لإدارة النيل الأزرق، تصبح فيه المنشآت المائية أمرًا واقعًا قبل الوصول إلى تفاهمات مع دول المصب.

وزير الري المصري هاني سويلم أعلن مطلع أغسطس بصورة واضحة أن مصر «لن تسمح» ببناء سدود إثيوبية جديدة، وطالب بآلية قانونية ملزمة لتبادل المعلومات المتعلقة بتشغيل سد النهضة وتدفقات المياه.

التنمية مقابل «الحق في الحياة»

في المقابل، تقدم إثيوبيا مشروعاتها المائية باعتبارها جزءًا من حقها في التنمية واستغلال مواردها الطبيعية، وهو ما يجعل جوهر النزاع أعمق من مجرد خلاف فني حول تشغيل سد.

والقاهرة بدورها تؤكد أنها لا تعارض التنمية في دول حوض النيل. وقال عبد العاطي إن مصر خصصت آلية تمويلية بقيمة 100 مليون دولار، قابلة للزيادة، للمساهمة في مشروعات تنموية وسدود بدول حوض النيل، في محاولة للفصل بين الاعتراض على التنمية وبين الاعتراض على الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تضر بدول المصب.

وتختصر القاهرة موقفها في معادلة أصبحت تتكرر في تصريحات مسؤوليها: إثيوبيا لها الحق في التنمية، لكن مصر تتمسك في المقابل بما تصفه بـ«الحق في الحياة».

ما بعد سد النهضة

تتحرك أزمة النيل أيضًا داخل مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، إذ تتقاطع العلاقات المصرية الإثيوبية مع ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والتوازنات الإقليمية، ما يجعل أي مواجهة جديدة حول المياه مرشحة للامتداد إلى دوائر سياسية وأمنية أوسع.

وبعد أكثر من عقد من التفاوض، أصبحت القاهرة أمام واقع مختلف: سد النهضة اكتمل، والاتفاق القانوني الملزم لم يتحقق، وإثيوبيا تتحدث عن مشروعات جديدة، بينما ترفع مصر سقف خطابها إلى مستوى «الدفاع الشرعي» عن أمنها المائي.

ومن هنا يصبح السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط ماذا ستفعل مصر مع سد النهضة، وإنما ماذا ستفعل إذا بدأت إثيوبيا بالفعل في تنفيذ سلسلة جديدة من السدود على النيل الأزرق؟

وهل يبقى استدعاء المادة 51 رسالة ردع سياسية وقانونية، أم يمثل بداية تأسيس مصري لخيارات أخرى إذا رأت القاهرة أن أمنها المائي أصبح معرضًا لخطر وجودي؟

بين حق إثيوبيا في التنمية وحق مصر والسودان في عدم التعرض لضرر مائي جسيم، يبدو أن معركة النيل انتقلت بالفعل إلى فصل جديد.. فصل قد يكون أكثر حساسية من كل ما سبقه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى