المواليد ترتفع والمنتفعات يتراجعن: فجوة جديدة تهدد السياسة السكانية بمصر

بينما تستمر الحكومة في إطلاق التحذيرات المستمرة بشأن المخاطر المترتبة على النمو السكاني المتسارع، رصدت وزارة الصحة والسكان نمواً في معدلات الإنجاب منذ بداية يناير وحتى نهاية يوليو من عام 2026، وهو ما اقترن بانحسار أعداد السيدات المترددات على برامج تنظيم الأسرة؛ الأمر الذي يضع قضية الكثافة السكانية مجدداً في قلب الحوار حول فاعلية الخطط الحكومية ونتائجها المرجوة.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، زيادة حصيلة المواليد خلال الثلثين الأولين من العام الجاري، متزامنة مع انخفاض الإقبال على الخدمات الخاصة بتنظيم الأسرة، مؤكدة على أهمية مضاعفة الأنشطة التوعوية المرتبطة بالصحة الإنجابية وأساليب الأسرة المنظمة.
تتزامن هذه المستجدات مع تطبيق الدولة المصرية للاستراتيجية القومية الخاصة بالسكان والتنمية الممتدة حتى عام 2030، فضلاً عن وجود خطة استثنائية قصيرة المدى تغطي الأعوام من 2025 إلى 2027، واللتين تسعيان للسيطرة على معدلات الزيادة وتعزيز الأبعاد والمواصفات الديموغرافية للمجتمع.
انحسار الإقبال على وسائل تنظيم الأسرة يُبرز التصريح الرسمي لوزارة الصحة عقبة رئيسية تعترض طريق السياسات السكانية في مصر، متمثلة في عجز البرامج الحالية عن استدامة المستويات المستهدفة من التفاعل المجتمعي، على الرغم من كثرة المبادرات الرسمية الرامية لحظّ العائلات على إحداث فترات زمنية فاصلة بين الإنجاب وتقديم الرعاية الإنجابية المطلوبة.
وتسعى الوزارة لتعميم رسائلها التوعوية عبر إدراج قطاعات واسعة تشمل الصيدليات، والاتحادات النقابية، والجامعات، والشباب، والمؤسسات الدينية، بالإضافة إلى جهود المجتمع المدني والرائدات الريفيات، بغية الوصول إلى الشريحة النسائية بمختلف القطاعات الجغرافية والتعريف بالخدمات المتاحة.
كما تُجري الوزارة تدريبات متخصصة لصيادلة القطاع لتولّي مهام التوجيه الأسري وتوجيه السيدات للمنشآت الطبية عند اللزوم، مع دراسة منحهم مزايا وظيفية وعلمية تكفل خلق منافذ جديدة وواسعة النطاق لتقديم الخدمة بمعزل عن المراكز الصحية التقليدية وحدها.
ومع ذلك، فإن تصاعد معدلات الإنجاب بالتوازي مع تقلص أعداد المستفيدات يثير علامات استفهام حول كفاءة هذه الوسائل في تعديل الأنماط السلوكية الإنجابية للمجتمع، لا سيما أن الملف يتجاوز مجرد إتاحة الأدوات، ليصطدم بمنظومة متكاملة من المحددات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية الفاعلة في خيارات الأسر.
تحدي السكان.. إشكالية صعبة أمام الجهود الرسمية عمدت الدولة على مدار الأعوام المنصرمة إلى تصدر قضية النمو السكاني قائمة الأولويات الوطنية، باعتبارها ضغطاً هيكلياً يعوق موارد الدولة ويضعف كفاءتها في قطاعات التعليم، والصحة، وتوفير فرص العمل، والبنى الأساسية.
إلا أن عودة المواليد للارتفاع مجدداً مقترنة بتراجع المستفيدات من الدعم التنظيمي للأسرة، تدلل على أن المساعي الحكومية لم تحصد بالكامل الغايات المرجوة منها حتى اللحظة.
ولا يُفهم من ذلك إخفاقاً تاماً لجهود التوعية، أو اختزالاً لسبب زيادة المواليد في انحسار وسائل المانع فحسب، بل يشير المؤشران معاً إلى وجود بون شاسع بين الخطط المرسومة رسمياً والواقع السلوكي لشرائح معينة من المواطنين.
وتسعى وزارة الصحة لردم هذا الهوة عبر استنباط مسارات توعوية مستحدثة، مشددة على ضرورة استثمار التواجد الكثيف للصيدليات ومؤسسات المجتمع الأهلي في إيصال المفاهيم السكانية ومحددات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة بفعالية أكبر.







