سيولة فورية أم تراجع عن دعم المستثمرين؟ خبايا منظومة الإسكان الجديدة

أطلقت وزارة الإسكان إطارًا تنظيميًا مستحدثًا لطرح وتخصيص الأراضي الاستثمارية، وهو ما فتح باب النقاش حول مدى إعطاء الإدارة الحكومية أسبقية لرفع حجم التدفقات النقدية، حتى إن وافق ذلك تقليص شريحة المستثمرين المشاركين، وسط التحديات المالية المتواصلة والمساعي الرامية لتدعيم الخزينة بمصادر تمويل محلية وخارجية.
تحولات جوهرية في آليات الطرح
شهد النظام المستحدث تبدلًا جذريًا في طريقتي التخصيص والتعامل المالي؛ إذ أصبح لزامًا على المتقدمين سداد القيمة الكاملة لمقدم الحجز فور التقدم لطلب قطعة الأرض، متجاوزين النظام القديم الذي اكتفى بمبالغ رمزية لجدية الحجز. وإلى جانب ذلك، جرى إقرار خمسة مسارات للتخصيص تتنوع بين الدفع بالعملة المحلية، والدفع بالدولار للمشترين من خارج البلاد، والانتفاع المؤقت، وتسوية الالتزامات المالية مع الجهات الحكومية، فضلاً عن مسار مخصص لكبار المستثمرين والمطورين يمنحهم مرونة في التفاوض على التسعير وجداول السداد.
وفي سياق متصل، أشار مصدر مسؤول بالوزارة في تصريحات لـ”المنصة”، إلى أن الآلية المستحدثة ستوفر لخزينة الدولة سيولة نقدية تقارب 12 مليار جنيه كل عام، وذلك حصيلة لتجميع مقدمات الأراضي منذ اللحظات الأولى لتقديم الطلبات، الأمر الذي يمنح هيئة المجتمعات العمرانية سيولة مباشرة لتغطية تكاليف المرافق وتأسيس البنية التحتية للمجتمعات العمرانية الحديثة.
ومن جانبهم، يقرأ خبراء الاقتصاد هذا الإجراء باعتباره مؤشرًا بارزًا على رغبة الدولة في استغلال أصولها لتحقيق عائد مالي سريع ومباشر، استجابةً للضغوط المتواصلة على الموازنة العامة والاحتياج الملح لضخ سيولة نقدية بعملات مختلفة.
وقد دعمت الوزارة هذه الأهداف من خلال إقرار التعامل بالدولار مع المستثمرين الوافدين، إلى جانب تدشين محفظة رقمية تضمن إعادة تدوير تلك الأموال الدولارية للاستثمار في مشروعات بديلة حال عدم التوفيق في الحصول على الأرض، وهي خطوة تستهدف تسريع وتيرة جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
تحديات السيولة مقابل خطط التنمية
وفي الجهة المقابلة، أبدى أطراف في السوق العقاري تخوفاتهم من تداعيات هذا النظام الجديد؛ حيث اعتبر عضو بمجلس إدارة غرفة التطوير العقاري التابعة لاتحاد الصناعات، أن اشتراط سداد المقدم بالكامل قبل خوض المناقصة يضع أعباء تمويلية باهظة على عاتق الشركات المتوسطة، ويجعل امتلاك السيولة النقدية المعيار الأساسي للظفر بالأراضي متجاوزاً المعايير الفنية والقدرة على التطوير.
ولفت المصدر ذاته إلى أن ضمان جدية المتقدمين كان ممكنًا عبر متابعة الجداول الزمنية لتنفيذ الأعمال، وتطبيق عقوبات صارمة تصل إلى سحب الأراضي عند الإبطاء، بعيدًا عن رفع حاجز التكلفة المالية للبدء في المنافسة بهذه الصورة.
ويأتي هذا التنظيم الجديد أعقاب قرارات حكومية صدرت مؤخراً تضمنت تقليص سعر الفائدة المطبقة على أقساط أراضي المطورين والمشروعات الاستثمارية لتصل إلى 12%، في مسعى لتخفيف الأعباء عن القطاع العقاري الذي تعرض لهزات سعرية تكلفة البناء إثر تحرير سعر الصرف.
مؤشرات توجهات الدولة الاقتصادية
يُنظر إلى هذه المنظومة المستحدثة باعتبارها امتدادًا للتوجهات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة طوال العامين المنصرمين، والتي تمحورت حول تحقيق أقصى استفادة ممكنة من ثروات الدولة وأصولها وجذب السيولة من الداخل والخارج، سواء عبر برنامج الطروحات العامة، أو منح حقوق الانتفاع، أو التوسع في طرح الأراضي الاستثمارية، أو توفير قنوات استثمارية مرنة تستميل المستثمرين الدوليين.







