جحيم الغياب في غزة.. آلاف العائلات بين جدران الذاكرة وسؤال المصير

تتخبط آلاف الأسر الفلسطينية في قطاع غزة وسط هواجس لا تنتهي، عاجزة عن ترجيح كفة الحياة على الموت لأبنائها وأقاربها، في ظل غياب أي خيوط تدل عما إذا كان المفقودون قد قضوا تحت ركام بيوتهم المسواة بالأرض، أم جرى اقتيادهم إلى معتقلات غامضة المعالم.
ومع اقتراب طي عامها الثالث، تواصل تداعيات الحرب الإسرائيلية على القطاع تكريس ملف “المفقودين” كأحد أوجع الجروح الإنسانية وأكثرها تعقيداً وضبابية في الوجدان الفلسطيني.
وفي هذا السياق، أعلن «المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا» في تقديرات صدرت عنه، أن أعداد المشتبه في تعرضهم لعمليات إخفاء قسري طوال فترة النزاع تتراوح بين 2500 وثلاثة آلاف فرد. وجاءت هذه الأرقام ثمرة لتحليل معمق شمل عينة بحثية مكونة من 317 حالة، أكد المركز أنها تحمل دلائل قوية تفرض فتح تحقيقات موسعة حول وجود سياسات ممنهجة للاختفاء القسري في عموم غزة.
وتزامن الكشف عن هذه الدراسة مع العشية الممهدة للحيّز الزمني الخاص باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الموافق للثلاثين من أغسطس من كل عام، فيما تواصل العائلات المنكوبة قرع أبواب الأمل بحثاً عن ومضة خبر واحد يفك طلاسم اختفاء أحبتهم في أتون العمليات العسكرية المتواصلة.
عينة الـ 317.. قراءة تحليلية في خرائط الفقد
أوضح المركز أن إحصاءاته استندت إلى إخطارات تقدمت بها أسر المفقودين جنباً إلى جنب مع عمليات توثيق ميدانية دقيقة، منوهاً إلى أن هذه العينة لا تغطي بالضرورة الحجم الكلي والنهائي لكافة مآسي الفقد والاختفاء القسري داخل القطاع.
وأظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن الدراسة طغيان شريحة الذكور بنسبة كاسحة بلغت 95.27 في المائة، بواقع 302 حالة، في مقابل 15 سيدة فقط.
كما لفتت البيانات الانتباه إلى تنوع الفئات العمرية للمتضررين، مسجلة 41 طفلاً و17 فرداً تتجاوز أعمارهم حاجز الستين عاماً، وهو ما يؤكد شمولية الظاهرة وعدم استهدافها لقطاع عمري محدد.
أما على الصعيد الجغرافي، فقد امتدت الحالات لتشمل شتى أرجاء القطاع بنسب مئوية متباينة؛ إذ تصدرت مدينة غزة القائمة بـ 89 حالة، تلتها مناطق شمال غزة بـ 74 حالة، ثم محافظة خان يونس بـ 59 حالة، فالمحافظة الوسطى بواقع 37 حالة، وأخيراً رفح بـ 32 حالة.
محطات الغياب.. من ركام المنازل إلى الحواجز العسكرية
رسمت الدراسة خريطة ميدانية توضح الظروف القاسية والملابسات المختلفة التي انقطعت فيها سبل التواصل بين العائلات وذويها.
وتصدرت اقتحامات القوات الإسرائيلية للمساكن وحصار الأحياء السكنية قائمة تلك الظروف بتسجيل 76 حالة، تلتها 60 حالة لأفراد فُقِدت آثارهم أثناء محاولاتهم العودة لمنازلهم أو تأمين أبسط مقومات العيش. كما وثق التقرير 42 حالة أخرى وقعت غداة عمليات النزوح أو عند العبور من خلال الحواجز والنقاط العسكرية.
وإلى جانب ذلك، رصد المركز 39 حالة لأشخاص اختفوا بينما كانوا يفتشون عن طعامهم أو ينتظرون طوابير المساعدات الإنسانية، فضلاً عن 22 حالة مرتبطة بحصار المستشفيات واقتحامها أو خلال عمليات إجلاء المرضى، إضافة إلى 10 حالات لأشخاص ينشطون في الميدان الصحفي والإعلامي.
تحت الركام.. مأساة بموازين أخرى
في السياق ذاته، حرص المركز على وضع خط فاصل وواضح بين تهمة “الاختفاء القسري” وبين مصير المفقودين الذين يُرجح بقاؤهم مطمورين تحت أنقاض المباني المدمرة بفعل القصف.
وفي هذا الخصوص، قُدرت أعداد الفئة الأخيرة بما يتراوح بين 4000 و5000 مفقود، في رقم منفصل ومستقل تماماً عن تقديرات الأشخاص المشتبه في تعرضهم للإخفاء القسري.







