حقوق وحريات

ندوة حقوقية دولية تناقش الاختفاء القسري في مصر وتطالب بالكشف عن مصير المختفين

ناقشت ندوة حقوقية متخصصة، عُقدت بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الموافق 30 أغسطس، ملف الاختفاء القسري في مصر وأبعاده القانونية والإنسانية، وسط مطالب بالكشف الفوري عن مصير المختفين، وإتاحة الرقابة المستقلة على أماكن الاحتجاز، وتصديق مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وجاءت الندوة تحت عنوان «الاختفاء القسري في مصر بين المنهجية الرسمية والاستحقاقات الدولية»، بمشاركة إعلاميين وباحثين حقوقيين ومحامين دوليين ومحليين، حيث تناول المشاركون ما وصفوه بأنماط متكررة للاختفاء والاحتجاز السري، إلى جانب الآليات القانونية والأممية المتاحة للتعامل مع الملف.

مي الورداني: الاختفاء القسري جريمة خطيرة بموجب القانون الدولي

وافتتحت الإعلامية مي الورداني، مدير مركز إنسان للدراسات الإعلامية، الندوة بالترحيب بالحضور والمتابعين عبر البث المباشر والمتحدثين من الحقوقيين والمحامين، موجهة الشكر إلى منظمة عدالة لحقوق الإنسان على جهودها في تقديم التقارير إلى الجهات الأممية وتنظيم الفعاليات الحقوقية.

وأعربت الورداني عن سعادتها باستضافة مركز إنسان للدراسات الإعلامية للندوة بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، مشددة على خطورة الجريمة وما يترتب عليها من انتهاكات لحقوق الضحايا وأسرهم.

وتطرقت إلى التوصيف القانوني للاختفاء القسري، مشيرة إلى أن الممارسة يمكن أن ترقى، متى توافرت الشروط القانونية المقررة، إلى جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وطالبت الورداني بتوفير الحماية للأشخاص المعرضين للاختفاء والكشف عن مصير المختفين من الصحفيين والإعلاميين، وتطرقت إلى حالة الشاعر والكاتب عبد الرحمن يوسف القرضاوي، معتبرة أنه يدفع ثمنًا باهظًا بسبب التعبير عن رأيه.

واستعرضت عددًا من الحالات التي قالت إنها موثقة لدى جهات نقابية ومنظمات دولية، في إطار ما وصفته بنمط «الاختفاء المؤقت المتبوع بالحبس الاحتياطي الممتد»، ومن بينها حالات أحمد سبيع، ومحسن راضي، ومحمد إبراهيم رضوان «أكسجين»، وأحمد منتصر، ومحمود سعد دياب، وتوفيق غانم، وبدر محمد بدر، وأشرف عمر، وخالد ممدوح.

كما تناولت حالات قالت إنها تعرضت للاختفاء ثم أُطلق سراح أصحابها أو استمرت ملاحقتهم أو إعادة إدراجهم على ذمة قضايا، ومن بينها حالات بهاء الدين إبراهيم، وربيع الشيخ، وهشام عبد العزيز، وأحمد النجدي، وسولافة مجدي، وحسام الصياد، وإسراء عبد الفتاح، ومحمود أبو زيد «شوكان».

وتطرقت كذلك إلى حالات وصفتها بالمزمنة أو المتجددة، بينها رضا هلال، نائب رئيس تحرير الأهرام الأسبق، الذي اختفى عام 2003، ويسري مصطفى الذي قالت إنه اختفى في مطار القاهرة عام 2019، وحيدر قنديل، رئيس تحرير موقع النبأ، خلال عام 2026.

عبد المجيد المراري: جريمة مركبة لا تسقط بالتقادم

من جانبه، قال المحامي الدولي عبد المجيد المراري، المختص بالقانون الجنائي الدولي، إن الاختفاء القسري يمثل جريمة مركبة ترتبط بسلسلة من الانتهاكات، معتبرًا أن ما تشهده مصر في هذا الملف يعكس، من وجهة نظره، «سياسة دولة وعقيدة نظام».

وأشار المراري إلى أن عدم تصديق مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لا يلغي الالتزامات المترتبة عليها بموجب اتفاقيات وعهود دولية أخرى صدقت عليها.

واعتبر أن الاستناد إلى التشريعات المحلية لنفي وجود الظاهرة لا يتوافق مع ما ترصده المؤسسات الحقوقية على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن المساءلة الدولية تظل أحد المسارات التي تسعى المنظمات الحقوقية إلى تفعيلها.

وتناول المراري كذلك البعد العابر للحدود في بعض الوقائع، مستشهدًا بحالة عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي أوقف في لبنان قبل تسليمه إلى الإمارات، باعتبارها نموذجًا للقضايا التي تتجاوز حدود دولة واحدة.

«الكرامة»: توثيق 4 آلاف حالة اختطاف واحتجاز سري منذ 2013

وقال محمد الأحمدي، الباحث القانوني ومسؤول التواصل والإعلام في «الكرامة لحقوق الإنسان»، إن المنظمة أولت الملف المصري اهتمامًا مكثفًا منذ يوليو 2013، في ظل ما وصفه بحجم الانتهاكات ومكانة مصر المحورية في المنطقة العربية.

وأضاف الأحمدي أن المنظمة وثقت ما لا يقل عن 4 آلاف حالة قال إنها تضمنت اختطافًا واحتجازًا سريًا منذ عام 2013، معتبرًا أن هذه الوقائع تتعارض مع الخطاب الرسمي الذي ينفي وجود اختفاء قسري ممنهج.

وأوضح أن مسارات العمل شملت تقديم نداءات عاجلة إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، وإعداد تقارير مرتبطة بالاستعراض الدوري الشامل ولجنة مناهضة التعذيب، فضلًا عن تقييم أداء المجلس القومي لحقوق الإنسان وفق مبادئ باريس.

وأشار إلى مشاركة المؤسسات الحقوقية في حملات مشتركة، بينها حملة «أسرى الحرية» لعام 2026، بالتزامن مع الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان.

وأكد الأحمدي أن العمل الحقوقي حقق، بحسب تقييمه، نتائج تراكمية، بينها ظهور عدد من الأشخاص المحتجزين رسميًا أمام جهات التحقيق بعد فترات من عدم معرفة أماكن احتجازهم، فضلًا عن استمرار طرح الملف المصري أمام آليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة.

عادل الماجري: أكثر من 20 ألف حالة جرى رصدها بين 2013 و2026

بدوره، قال عادل الماجري، الكاتب العام لجمعية ضحايا التعذيب في جنيف، إن السنوات الماضية شهدت تحولًا في دور أسر الضحايا، إذ لم تعد تكتفي بانتظار معرفة مصير ذويها، وإنما أصبحت، في حالات عديدة، جزءًا من العمل الحقوقي والتوثيقي.

وشدد على ضرورة الجمع بين التوثيق القانوني والضغط الدبلوماسي، معتبرًا أن المحامين والحقوقيين أنفسهم تعرضوا للاستهداف بسبب عملهم في توثيق الانتهاكات والدفاع عن الضحايا.

واستعرض الماجري عددًا من الحالات، بينها المحامي إبراهيم متولي، مؤسس رابطة أهالي المختفين قسرًا، والمحامي عزت غنيم، مدير التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، والمحامية هدى عبد المنعم، العضو السابق بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، والمحامي الحقوقي محمد أبو هريرة.

وقال الماجري إن حملات ومنظمات حقوقية رصدت أكثر من 20 ألف حالة اختفاء قسري خلال الفترة من 2013 إلى 2026، وفق الإحصاءات التي استعرضها خلال الندوة.

وأضاف أن تقديرات حقوقية تشير إلى أن ما بين 60% و70% من الحالات الموثقة تندرج ضمن نمط الاختفاء قصير الأجل، الذي يمتد من عدة أيام إلى عدة أشهر قبل ظهور الشخص أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة إحدى القضايا.

وأشار كذلك إلى وجود حالات استمر فيها غياب أشخاص لأكثر من ثلاث سنوات قبل ظهورهم أمام النيابة العامة، دون أن تكون أسرهم أو محاموهم على علم بمكان وجودهم خلال فترة الغياب، وفق ما عرضه خلال الندوة.

مطالب بفتح أماكن الاحتجاز أمام الرقابة المستقلة

من جهته، أثار المحامي حسين عمار، مسؤول وحدة الرصد في جمعية المحامين الدولية، قضية الرقابة على السجون وأماكن الاحتجاز، متسائلًا عن أسباب عدم السماح للمنظمات الحقوقية المستقلة بإجراء زيارات إليها، في مقابل تنظيم زيارات رسمية.

وقال عمار إن إتاحة أماكن الاحتجاز أمام رقابة حقوقية مستقلة تمثل، من وجهة نظره، اختبارًا للشفافية وضمانة للتحقق من أوضاع المحتجزين والشكاوى المتعلقة بالانتهاكات.

وتطرق إلى إعلان السلطات عن إجراء ست زيارات تفتيشية بواسطة النيابة والجهات الرسمية دون تسجيل مخالفات أو شكاوى من سجناء بشأن تعرضهم لانتهاكات، معتبرًا أن هذه النتائج تتناقض مع الوقائع التي تقول المنظمات الحقوقية إنها توثقها، بما في ذلك حالات وفاة داخل السجون وشكاوى مرتبطة بالانتهاكات والإهمال الطبي.

محمود جابر: أسر المختفين تدفع ثمنًا إنسانيًا قاسيًا

وتناول المحامي محمود جابر، مدير منظمة عدالة لحقوق الإنسان، الأبعاد الإنسانية للاختفاء القسري، مستشهدًا بحالة والدة أحد الضحايا التي ظل نجلها مختفيًا لمدة ثماني سنوات، وقال إن حالتها الصحية تدهورت بشدة تحت وطأة الحزن والانتظار.

واعتبر جابر أن استمرار الانتهاكات ووقوع حالات وفاة داخل أماكن الاحتجاز، وفق ما ترصده منظمته، يعكس وجود مشكلة ممنهجة تتطلب تحركًا قانونيًا وحقوقيًا.

كما انتقد عدم تصديق مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، معتبرًا أن هذه الخطوة ضرورية لتعزيز الضمانات القانونية ومساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات.

وأكد استمرار المؤسسات الحقوقية في العمل القانوني والميداني لمناهضة الاختفاء القسري وغيره من الانتهاكات، والمطالبة بتطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان والكشف عن مصير المختفين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات متى ثبتت مسؤوليتهم وفق إجراءات قانونية مستقلة.

واختتم جابر مداخلته بالتأكيد على أن الاختفاء القسري لا يمثل مجرد ملف قانوني، وإنما مأساة إنسانية ممتدة تعيشها أسر تنتظر أبناءها سنوات دون معرفة مصيرهم، مشددًا على أن المطلب الأساسي لهذه الأسر هو معرفة الحقيقة وإنهاء سنوات الانتظار.

3 مطالب حقوقية في ختام الندوة

واختتم المشاركون الندوة بثلاثة مطالب رئيسية، في مقدمتها الكشف الفوري عن أماكن جميع المفقودين والمختفين قسريًا، وضمان مثول من تثبت واقعة احتجازه أمام جهات تحقيق مستقلة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وطالب المشاركون كذلك بتصديق مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، بما يتيح تعزيز الضمانات القانونية المرتبطة بمنع هذه الممارسة والتحقيق في الوقائع المنسوبة إلى جهات رسمية.

كما دعوا إلى وقف ما وصفوه باستهداف المحامين والحقوقيين وموثقي انتهاكات حقوق الإنسان، وإسقاط الاتهامات المرتبطة بعملهم الحقوقي، مؤكدين ضرورة توفير الحماية القانونية للعاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وتمكينهم من أداء عملهم دون ملاحقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى